مدارج السالكين

وربَّما قتله سكرُ هذا الفرح بسببٍ١ طبيعيٍّ، وهو انبساط دم القلب وهلةً واحدةً انبساطًا غير معتادٍ، والدَّم هو حامل الحارِّ الغريزيِّ، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه، فيحدث الموت. ومن هذا قول سكران الفرح بوجود راحلته في المفازة بعد أن استشعر الموت: «اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك»، أخطأ من شدَّة فرحه٢.

وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب، فصوِّر في نفسك حال فقيرٍ مُعْدِمٍ، عاشقٍ للدُّنيا أشدَّ العشق، ظَفِر بكنزٍ عظيمٍ، فاستولى عليه آمنًا مطمئنًّا، كيف يكون سكره٣؟ أو من غاب عنه غلامه بمالٍ له عظيمٍ مدَّة سنين حتَّى أضرَّ به العُدْم، فقَدِم عليه من غير انتظارٍ له بماله كلِّه وقد كسب أضعافه؟

وقد يوجبه غضبٌ شديدٌ، يحول بين الغضبان وبين تمييزه، بل قد يكون سكر الغضب أقوى من سكر الطرب، ولهذا قال النبيُّ ﷺ: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان»٤.

ولا يستريب من شمَّ رائحة الفقه أنَّ الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال فطلَّق، لم يقع طلاقه. وقد نصَّ الإمام أحمد٥ على أنَّ الإغلاق الذي

  1. (١) ر: «لسبب».
  2. (٢) كما في حديث أنس عند مسلم (٢٤٧٤)، وهو في البخاري (٦٣٠٩) من طريق آخر مختصرًا، ليس فيه محل الشاهد.
  3. (٣) ت، ر: «تكون سكرته».
  4. (٤) أخرجه أحمد (٢٠٣٨٩) ــ واللفظ له ــ والبخاري (٧١٥٨) ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة.
  5. (٥) في رواية حنبل، كما في «زاد المسافر» لغلام الخلال (٣/ ٢٦٥، ٢٧٣).
233

قال فيه النبيُّ ﷺ: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»١ أنَّه الغضب. وقال أبو داود٢: أظنُّه الغضب. والشافعي يُسمِّي نذر اللِّجاج والغضب: نذر الغَلَق٣، وذلك لأنَّ الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدَّة غضبه. وإذا كان الإكراه غَلَقًا، فالغضب٤ الشديد أولى أن يكون غلقًا. وكذلك السُّكر غلقٌ أيضًا، والجنون غلقٌ. فالغَلَق والإغلاق كلمةٌ جامعةٌ لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسببٍ من الأسباب. [وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتابنا المسمَّى بـ «إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان»]٥.

فصل

ومن أسباب السُّكر: حبُّ الصُّور وغيرِها، سواءٌ كانت مباحةً أو محرَّمةً، فإنَّ الحبَّ إذا استحكم وقوي أسكر صاحبَه، وهذا مشهورٌ في أشعارهم وكلامهم، كما قال٦:

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والحاكم (٢/ ١٩٨) من حديث عائشة بإسناد فيه ضعف، وقد تعقَّب الذهبي على الحاكم تصحيحه. وله إسناد آخر عند الدارقطني (٣٩٨٩) والبيهقي (٧/ ٣٥٧)، وفيه أيضًا ضعف وانقطاع. والحديث يحتمل التحسين بمجموعهما. وانظر: «تنقيح التحقيق» (٢٨٢٢) و«إرواء الغليل» (٢٠٤٧) و«أنيس الساري» (٤٤٣٣).
  2. (٢) عقب الحديث (٢١٩٣).
  3. (٣) انظر: «الأم» (٣/ ٦٥٩، ٦٦٤).
  4. (٤) د: «فإن الغضب».
  5. (٥) ما بين الحاصرتين تفرَّدت به ر. والكتاب المذكور مطبوع عدة طبعات، منها طبعة دار عالم الفوائد بتحقيق أخينا الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن قائد.
  6. (٦) في ر زيادة: «الشاعر». والبيت لديك الجنِّ الحمصي في «ديوانه» (ص ٢٢٤).
234

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي