مدارج السالكين

قال فيه النبيُّ ﷺ: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»١ أنَّه الغضب. وقال أبو داود٢: أظنُّه الغضب. والشافعي يُسمِّي نذر اللِّجاج والغضب: نذر الغَلَق٣، وذلك لأنَّ الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدَّة غضبه. وإذا كان الإكراه غَلَقًا، فالغضب٤ الشديد أولى أن يكون غلقًا. وكذلك السُّكر غلقٌ أيضًا، والجنون غلقٌ. فالغَلَق والإغلاق كلمةٌ جامعةٌ لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسببٍ من الأسباب. [وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتابنا المسمَّى بـ «إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان»]٥.

فصل

ومن أسباب السُّكر: حبُّ الصُّور وغيرِها، سواءٌ كانت مباحةً أو محرَّمةً، فإنَّ الحبَّ إذا استحكم وقوي أسكر صاحبَه، وهذا مشهورٌ في أشعارهم وكلامهم، كما قال٦:

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والحاكم (٢/ ١٩٨) من حديث عائشة بإسناد فيه ضعف، وقد تعقَّب الذهبي على الحاكم تصحيحه. وله إسناد آخر عند الدارقطني (٣٩٨٩) والبيهقي (٧/ ٣٥٧)، وفيه أيضًا ضعف وانقطاع. والحديث يحتمل التحسين بمجموعهما. وانظر: «تنقيح التحقيق» (٢٨٢٢) و«إرواء الغليل» (٢٠٤٧) و«أنيس الساري» (٤٤٣٣).
  2. (٢) عقب الحديث (٢١٩٣).
  3. (٣) انظر: «الأم» (٣/ ٦٥٩، ٦٦٤).
  4. (٤) د: «فإن الغضب».
  5. (٥) ما بين الحاصرتين تفرَّدت به ر. والكتاب المذكور مطبوع عدة طبعات، منها طبعة دار عالم الفوائد بتحقيق أخينا الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن قائد.
  6. (٦) في ر زيادة: «الشاعر». والبيت لديك الجنِّ الحمصي في «ديوانه» (ص ٢٢٤).
234
سُكرانِ سكرُ هوًى وسكرُ مُدامةٍومتى إفاقةُ مَن به سُكران

وقال الآخر١ من أبياتٍ:

[تسقيك من عينها خمرًا ومن يدهاخمرًا فما لك مِن سُكرَينِ من بدِّ]٢
لي سكرتان وللنَّدمان واحدةٌشيءٌ خُصِصتُ به من بينهم وحدي

وفي «المسند»٣ عن النبيِّ ﷺ: «حبُّك الشيءَ يُعمي ويُصمُّ»، أي: يعمي عن رؤية مساوئ المحبوب، ويصمُّ عن سماع العذل واللَّوم، وإذا تمكَّن واستحكم٤ أعمى قلبَه وأصمَّه بالكلِّيَّة. وهذا أبلغ من السُّكر، فإذا انضمَّ إلى سكر المحبَّة فرحةُ الوصال قوي السُّكرُ وتضاعف، فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر. وأكثر ما ترى من عربدة العاشق المواصل وتخليطه هو من هذا السُّكر. ولكن لمَّا ألف الناس ذلك واشتركوا فيه لم ينكروه، وإنَّما ينكره من كان خارجًا عنه، فإذا أفاقوا٥ بين الأموات٦ علموا حينئذٍ أنَّهم كانوا في سكرتهم يعمهون.

  1. (١) ت، ر: «آخر» بدون لام التعريف. وهو أبو نواس كما في «طبقات الشعراء» لابن المعتز (ص ٧٣).
  2. (٢) هذا البيت تفرَّدت به ر.
  3. (٣) برقم (٢١٦٩٤) من حديث أبي الدرداء، وقد سبق تخريجه (٣/ ٣٧٧) وبيان ضعفه وأن الأشبه فيه الوقف.
  4. (٤) ر: «واستمكن».
  5. (٥) ت: «أقاموا».
  6. (٦) ش، د، ت: «الأبواب»، ثم أُصلح في د.
235

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي