مدارج السالكين
سُكرانِ سكرُ هوًى وسكرُ مُدامةٍومتى إفاقةُ مَن به سُكران

وقال الآخر١ من أبياتٍ:

[تسقيك من عينها خمرًا ومن يدهاخمرًا فما لك مِن سُكرَينِ من بدِّ]٢
لي سكرتان وللنَّدمان واحدةٌشيءٌ خُصِصتُ به من بينهم وحدي

وفي «المسند»٣ عن النبيِّ ﷺ: «حبُّك الشيءَ يُعمي ويُصمُّ»، أي: يعمي عن رؤية مساوئ المحبوب، ويصمُّ عن سماع العذل واللَّوم، وإذا تمكَّن واستحكم٤ أعمى قلبَه وأصمَّه بالكلِّيَّة. وهذا أبلغ من السُّكر، فإذا انضمَّ إلى سكر المحبَّة فرحةُ الوصال قوي السُّكرُ وتضاعف، فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر. وأكثر ما ترى من عربدة العاشق المواصل وتخليطه هو من هذا السُّكر. ولكن لمَّا ألف الناس ذلك واشتركوا فيه لم ينكروه، وإنَّما ينكره من كان خارجًا عنه، فإذا أفاقوا٥ بين الأموات٦ علموا حينئذٍ أنَّهم كانوا في سكرتهم يعمهون.

  1. (١) ت، ر: «آخر» بدون لام التعريف. وهو أبو نواس كما في «طبقات الشعراء» لابن المعتز (ص ٧٣).
  2. (٢) هذا البيت تفرَّدت به ر.
  3. (٣) برقم (٢١٦٩٤) من حديث أبي الدرداء، وقد سبق تخريجه (٣/ ٣٧٧) وبيان ضعفه وأن الأشبه فيه الوقف.
  4. (٤) ر: «واستمكن».
  5. (٥) ت: «أقاموا».
  6. (٦) ش، د، ت: «الأبواب»، ثم أُصلح في د.
235

فصل

ومن أقوى أسباب السُّكر الموجبة له: سماع الأصوات المطربة، لا سيَّما إن كانت من صورةٍ مستحسنةٍ، وصادفت محلًّا قابلًا، فلا تَسَلْ١ عن سكرة السامع، وهذا السُّكر يحدث عندها من جهتين:

إحداهما في نفسها، أنها٢ توجب لذَّةً قويَّةً ينغمر معها العقل.

الثانية: أنَّها تحرِّك النّفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنًا ما كان؛ فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب، مع التخيُّل للمحبوب وإحضاره في النفس، وإدناء صورته إلى القلب، واستيلائها على الفكر= لذَّةٌ عظيمةٌ تقهر العقل، فتجتمع لذَّة الألحان ولذَّة الأشجان، فتُسكر الرُّوح سكرًا عجبًا٣، أطيب وألذَّ من سكر الشراب، وتحصل به نشوةٌ ألذُّ من نشوة الشراب.

ومن هاهنا استشهد الشيخ على السُّكر بقول موسى ﵇ لمَّا سمع كلام الربِّ ﷻ: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقد ذكر الإمام أحمد٤ وغيره: أنَّ الله سبحانه يقول يوم القيامة لداود: «مجِّدني

  1. (١) ر: «تسأل».
  2. (٢) «أنها» ساقطة من ت. وفي ر تقدَّمت قبل «في».
  3. (٣) ت، ر: «عجيبًا».
  4. (٤) في «الزهد» ــ كما في «حادي الأرواح» (١/ ٥٥٢) و«الدر المنثور» (١٢/ ٥٥٠)، وليس في القدر المطبوع منه ــ وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٣٣٦) وأبو عوانة في «المستخرج» (٤٣٥٩) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٢٤٠) والدِّينَوَري في «المجالسة» (٧٠٥) والبيهقي في «البعث والنشور» (٣٨٢) عن التابعي الزاهد مالك بن دينار بنحوه، فسَّر به قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ﴾.
236

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي