ومن أقوى أسباب السُّكر الموجبة له: سماع الأصوات المطربة، لا سيَّما إن كانت من صورةٍ مستحسنةٍ، وصادفت محلًّا قابلًا، فلا تَسَلْ١ عن سكرة السامع، وهذا السُّكر يحدث عندها من جهتين:
إحداهما في نفسها، أنها٢ توجب لذَّةً قويَّةً ينغمر معها العقل.
الثانية: أنَّها تحرِّك النّفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنًا ما كان؛ فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب، مع التخيُّل للمحبوب وإحضاره في النفس، وإدناء صورته إلى القلب، واستيلائها على الفكر= لذَّةٌ عظيمةٌ تقهر العقل، فتجتمع لذَّة الألحان ولذَّة الأشجان، فتُسكر الرُّوح سكرًا عجبًا٣، أطيب وألذَّ من سكر الشراب، وتحصل به نشوةٌ ألذُّ من نشوة الشراب.
ومن هاهنا استشهد الشيخ على السُّكر بقول موسى ﵇ لمَّا سمع كلام الربِّ ﷻ: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾[الأعراف: ١٤٣]. وقد ذكر الإمام أحمد٤ وغيره: أنَّ الله سبحانه يقول يوم القيامة لداود: «مجِّدني
(١) ر: «تسأل».
(٢) «أنها» ساقطة من ت. وفي ر تقدَّمت قبل «في».
(٣) ت، ر: «عجيبًا».
(٤) في «الزهد» ــ كما في «حادي الأرواح» (١/ ٥٥٢) و«الدر المنثور» (١٢/ ٥٥٠)، وليس في القدر المطبوع منه ــ وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٣٣٦) وأبو عوانة في «المستخرج» (٤٣٥٩) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٢٤٠) والدِّينَوَري في «المجالسة» (٧٠٥) والبيهقي في «البعث والنشور» (٣٨٢) عن التابعي الزاهد مالك بن دينار بنحوه، فسَّر به قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ﴾.
بذلك الصوت الذي كنت١ تمجِّدني به في الدُّنيا»، فيقول: يا ربِّ، كيف وقد أذهبته المعصية؟ فيقول: «أنا أردُّه عليك»، فيقوم عند ساق العرش ويمجِّده، فإذا سمع أهل الجنَّة صوته استفرغ نعيمَ أهل الجنَّة.
وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الربِّ ــ ﷻ ــ وخطابَه لهم منه إليهم بلا واسطة، وقد ذكر٢ عبد الله بن أحمد في «كتاب السُّنَّة»٣ أثرًا في ذلك: كأنَّ الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن٤ إذا سمعوه من الرحمن ﷻ.
وإذا انضاف إلى ذلك: رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذَّة رؤيته عن الجنَّة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة، ولا قليلًا من كثيرٍ. وهذه صفة٥ لا تلج كلَّ أذن، وصَوْبٌ٦ لا يحيا به كلُّ أرض، وعينٌ لا يشرب منها كلُّ وارد، وسماعٌ لا يطرب عليه كلُّ سامع٧، ومائدة لا يجلس عليها طُفيلي.
(١) «كنت» من ت، ر.
(٢) «ذكر» سقط من ش، د. ثم أُلحق في الثاني: «روى» مصححًا عليه.
(٣) برقم (١٠٤) نشرة عادل آل حمدان، وأخرجه أيضًا الخلال في «السنة» (٢/ ١١٩ - نشرة عادل آل حمدان) وأبو يعلى في «إبطال التأويلات» (٣٦٣) عن التابعي الثقة محمد بن كعب القرظي موقوفًا عليه من قوله. وقد روي عنه عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصحّ.