مدارج السالكين

بذلك الصوت الذي كنت١ تمجِّدني به في الدُّنيا»، فيقول: يا ربِّ، كيف وقد أذهبته المعصية؟ فيقول: «أنا أردُّه عليك»، فيقوم عند ساق العرش ويمجِّده، فإذا سمع أهل الجنَّة صوته استفرغ نعيمَ أهل الجنَّة.

وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الربِّ ــ ﷻ ــ وخطابَه لهم منه إليهم بلا واسطة، وقد ذكر٢ عبد الله بن أحمد في «كتاب السُّنَّة»٣ أثرًا في ذلك: كأنَّ الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن٤ إذا سمعوه من الرحمن ﷻ.

وإذا انضاف إلى ذلك: رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذَّة رؤيته عن الجنَّة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة، ولا قليلًا من كثيرٍ. وهذه صفة٥ لا تلج كلَّ أذن، وصَوْبٌ٦ لا يحيا به كلُّ أرض، وعينٌ لا يشرب منها كلُّ وارد، وسماعٌ لا يطرب عليه كلُّ سامع٧، ومائدة لا يجلس عليها طُفيلي.

  1. (١) «كنت» من ت، ر.
  2. (٢) «ذكر» سقط من ش، د. ثم أُلحق في الثاني: «روى» مصححًا عليه.
  3. (٣) برقم (١٠٤) نشرة عادل آل حمدان، وأخرجه أيضًا الخلال في «السنة» (٢/ ١١٩ - نشرة عادل آل حمدان) وأبو يعلى في «إبطال التأويلات» (٣٦٣) عن التابعي الثقة محمد بن كعب القرظي موقوفًا عليه من قوله. وقد روي عنه عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصحّ.
  4. (٤) أي: كأنهم لم يسمعوه قبل ذلك.
  5. (٥) ر: «فهذا صوت».
  6. (٦) ر: «صيِّب»
  7. (٧) «وسماع ... سامع» ساقط من ر.
237

فلنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: السُّكر سببه اللذَّة القاهرة للعقل، وسبب اللذَّة إدراك المحبوب. فإذا كانت المحبَّةُ قويَّةً وإدراكُ المحبوب قويًّا، كانت اللذَّة بإدراكه تابعةً لقوَّة هذين الأمرين١. فإن كان العقل قويًّا مستحكمًا لم يتغيَّر لذلك، وإن كان ضعيفًا حدث السُّكر المُخرج له عن حكمه، فقد يضاف إلى قوَّة الوارد، وقد يضاف إلى ضعف المحلِّ، وقد٢ يجتمع الأمران.

قال صاحب «المنازل»٣: (وعيون الفناء لا تقبله، ومنازل العلم لا تبلغه).

لمَّا كان الفناء يُفني من العبد كلَّ ما سوى مشهوده، ويُفني معاني كلِّ شيءٍ، وكان السُّكر كما حدَّه بأنَّه سقوط التمالك في الطرب= كان في السَّكران بقيَّةٌ طَرِبَ بها، وأحسَّ بها بطربه، بحيث لم يتمالك في الطرب؛ والفناء يأبى ذلك، فحقائقه لا تقبل السُّكر. والحاصل: أنَّ الفناء استغراقٌ محضٌ، والسُّكر معه لذَّةٌ وطربٌ لا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن يعبِّر٤ عنها.

والمقصود: أنَّ السُّكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين، لأنَّ أعلى مقاماتهم هو الفناء عنده، فمقامهم لا يقبل السُّكر.

قوله: (ومنازل العلم لا تبلغه) صحيح، فإنَّ علم المحبَّة والشوق

  1. (١) «الأمرين» ساقط من ش، د.
  2. (٢) «قد» ساقط من ش، د.
  3. (٣) (ص ٩٧).
  4. (٤) ت، ر: «يفنى».
238

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي