فلنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: السُّكر سببه اللذَّة القاهرة للعقل، وسبب اللذَّة إدراك المحبوب. فإذا كانت المحبَّةُ قويَّةً وإدراكُ المحبوب قويًّا، كانت اللذَّة بإدراكه تابعةً لقوَّة هذين الأمرين١. فإن كان العقل قويًّا مستحكمًا لم يتغيَّر لذلك، وإن كان ضعيفًا حدث السُّكر المُخرج له عن حكمه، فقد يضاف إلى قوَّة الوارد، وقد يضاف إلى ضعف المحلِّ، وقد٢ يجتمع الأمران.
قال صاحب «المنازل»٣: (وعيون الفناء لا تقبله، ومنازل العلم لا تبلغه).
لمَّا كان الفناء يُفني من العبد كلَّ ما سوى مشهوده، ويُفني معاني كلِّ شيءٍ، وكان السُّكر كما حدَّه بأنَّه سقوط التمالك في الطرب= كان في السَّكران بقيَّةٌ طَرِبَ بها، وأحسَّ بها بطربه، بحيث لم يتمالك في الطرب؛ والفناء يأبى ذلك، فحقائقه لا تقبل السُّكر. والحاصل: أنَّ الفناء استغراقٌ محضٌ، والسُّكر معه لذَّةٌ وطربٌ لا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن يعبِّر٤ عنها.
والمقصود: أنَّ السُّكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين، لأنَّ أعلى مقاماتهم هو الفناء عنده، فمقامهم لا يقبل السُّكر.
قوله: (ومنازل العلم لا تبلغه) صحيح، فإنَّ علم المحبَّة والشوق
(١) «الأمرين» ساقط من ش، د.
(٢) «قد» ساقط من ش، د.
(٣) (ص ٩٧).
(٤) ت، ر: «يفنى».
والعشق شيء، وحال المحبَّة شيءٌ آخر، والسُّكر لا ينشأ من علم المحبَّة، وإنّما ينشأ من حالها. فكأنَّه يقول: السُّكر صفةٌ وحالة تعرض لمن مقامه فوق مقام العلم، ودون مقام الشُّهود والفناء. وهو مختصٌّ بالمحبَّة، لأنَّ المحبَّة هي آخر منزلةٍ يلتقي فيها مقدِّمةُ العامَّة وهم أهل طور العلم، وساقةُ الخاصَّة وهم أهل طور الشُّهود والفناء، فالبرزخ الحاصل بين المقامين هو مقام المحبَّة، فاختصَّ به السُّكر.
فصل
قال١: (وللسُّكر ثلاث علاماتٍ: الضِّيق عن الاشتغال بالخبرِ والتعظيمُ قائم، واقتحام لجَّة الشوقِ والتمكُّنُ دائم، والغرق في بحر السُّرورِ والصبرُ هائم).
يريد: أنَّ المحبَّ تَشْغَلُه شدَّةُ وجده بالمحبوب، وحضورُ قلبه معه، وذوبانُ جوارحه من شدَّة الحبِّ= عن سماع الخبر عنه. وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإنَّ المحبَّ الصادق أحبُّ شيءٍ إليه الخبرُ عن محبوبه وذكرُه، كما قال عثمان بن عفّان ﵁: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله٢. وقال بعض العارفين: كيف يشبعون من كلام محبوبهم، وهو غاية مطلوبهم؟
(١) «المنازل» (ص ٩٨).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على «الزهد» (ص ١٥٩) و«فضائل الصحابة» (٧٧٥) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٧٢) ــ من طريق سفيان بن عيينة عن عثمان، وهو ظاهر الانقطاع.