مدارج السالكين

والذي يريده الشيخ وأمثاله بهذا الكلام: أنَّ المحبَّ الصادق يمتلئ قلبه بالمحبَّة، فتكون هي الغالبة عليه، فتحمله غلبتها وتمكُّنها على أن لا يغفل عن محبوبه، ولا يشتغل١ قلبه بغيره البتَّة، فيسمع من الفارغين ما ورد في حقِّ المحبِّين، ويسمع منهم أوصاف حبيبه والخبر عنه، فلا يكاد يقدر على أن يسمع ذلك أبدًا، لضيق قلبه عن سماعٍ٢ من قلبٍ غافلٍ، وإلَّا فلو سمع هذا الخبر ممَّن هو شريكه في شَجْوه، وأنيسه في طريقه، وصاحبه في سفره، لما ضاق عنه ولاتَّسع له غاية الاتِّساع، فهذا وجه.

ووجهٌ ثانٍ وهو: أنَّ السكران بالمحبَّة قد امتلأ قلبه بمشاهدة المحبوب، فاجتمعت قوى قلبه وهمُّه وإرادتُه عليه، ومعاني الخبر فيها كثرةٌ وانتقالٌ من معنًى إلى معنًى، فقلبه يضيق في هذه الحال عنها حتَّى إذا صحا اتَّسع قلبه لها.

قوله: (والتعظيم قائم)، أي: ضيق قلبه عن اشتغاله بالخبر ليس اطِّراحًا له ورغبةً عنه، كيف وهو خبرٌ عن محبوبه واردٌ منه؟ بل لضيقه في تلك الحال عن الاشتغال به، وتعظيمُه قائمٌ في قلبه، فهو مشغولٌ بوجده وحاله عمَّا يفرِّقه عنه. وهذا يَحْسُن إذا كان المشتغَل به أحبَّ إلى حبيبه من المشتغَل عنه، فأمَّا إذا كان ما أعرض٣ عنه أحبَّ إلى الحبيب ممَّا اشتغل به فشَرْعُ المحبَّة يوجب عليه إيثارَ أعظم المحبوبين إلى حبيبه، وإلَّا كان مع نفسه ووَجْده ولذَّته.

  1. (١) ت: «يشغل».
  2. (٢) ر: «سماعه».
  3. (٣) ش، د: «أعرضه»، خطأ.
240

قوله: (واقتحام لجَّة الشوق، والتمكُّن دائم)، اقتحام لجَّة الشوق هو ركوب بحره وتوسُّطُه، لا الدُّخول في حاشيته وطرفه. والتمكُّن المشار إليه هو لزوم أحكام العلم من العمل به، ولزومُ أحكام الورع، والقيامُ بالأوراد الشرعيَّة؛ فلزوم ذلك ودوامه علامة صحَّة الشوق.

قوله: (والغرق في بحر السُّرور، والصبر هائم) أي: يكون المحبُّ غريقًا في بحر السُّرور، لا١ يفارقه السُّرور، حتَّى كأنَّه بحرٌ قد غرق فيه، فكما أنَّ الغريق لا يفارقه الماء، كذلك المحبُّ لا يفارقه السُّرور٢.

ومن ذاق مقام المحبَّة عرف صحَّة ما يقوله الشيخ، فإنَّ نعيم المحبَّة في الدُّنيا رقيقة ولطيفة من نعيم الجنَّة في الآخرة، بل هو جنَّة الدُّنيا، فما طابت الدُّنيا إلَّا بمعرفته ومحبَّته، ولا الجنَّة إلَّا برؤيته ومشاهدته، فنعيم المحبِّ دائمٌ، وإن مزج بالآلام أحيانًا. فلو عرف المشغولون بغير الحقِّ سبحانه ما فيه أهلُ محبَّته وذكرِه ومعرفته من النعيم= لتقطعت قلوبهم حسراتٍ، ولعلموا أنَّ الذي حصَّلوه لا نسبة له إلى ما ضيَّعوه وحُرِموه.

كما قيل٣:

ولا خير في الدُّنيا ولا في نعيمهاوأنت وحيدٌ مفردٌ غيرُ عاشق
  1. (١) ر: «ولا».
  2. (٢) «حتى كأنه ... السرور» سقط من ش، د.
  3. (٣) أنشده المؤلف في «روضة المحبين» (٢٦١) ومغلطاي في «الواضح المبين» (ص ٦٤) بلا نسبة. وعامَّة الأبيات الآتية أنشدها المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٢٦٠ - ٢٦٤).
241

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي