وقال أبو المنجاب٢: رأيت في الطواف فتًى نحيف الجسم، بيِّن الضعف، يلوذ ويتعوَّذ، وينشد:
وددت بأنَّ الحبَّ يُجمع كلُّهفيُقذفُ في قلبي وينغلق الصدرُ
ولا ينقضي ما في فؤادي من الهوىومن فرحي بالحبِّ أو ينقضي العمرُ
والأخبار في المحبِّين وأشعارهم في ذلك أكثر من أن تُحصى.
هذا، وكلٌّ منهم معذَّبٌ بكل بمحبوبٍ سوى الحقِّ سبحانه ولو ظفر بوصاله، فما الظنُّ بمن قصر حبَّه على الحبيب الأوَّل٣؟ وكلَّما دعته نفسه إلى محبَّة غيره تمثَّل بقول القائل٤:
نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحبُّ إلَّا للحبيب الأوَّل
(١) هو إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالي الرقِّي الحنبلي (ت ٧٠٣)، كما في «الوافي بالوفيات» (٥/ ٣١٣). وللبيتين ثالث هو: ولولا أنه يعد التلاقي ... لكنت أموت من شوقي إليه
(٢) أسنده عنه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ٣٣٦). وذكره المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٢٦٥ - ٢٦٦) بأطول مما هنا.
(٣) «الأول» من ت، ر.
(٤) أبو تمَّام في «ديوانه» (٤/ ٢٥٣). وقد تقدم (ص ١٨٣).
قوله: (والصبر هائم)، أي: يكون غريقًا١ في سروره بالمحبَّة وصبرُه مفقودٌ، و«الهَيَمان» هو التشتُّت والحيرة.
قوله٢: (وما سوى هذا فحيرةٌ تنحل اسم السُّكر جهلًا، أو هيمانٌ يسمَّى باسمه جورًا)
يقول: وما سوى ما ذكرناه من العلامات الثلاث وإن كان من المحبَّة إلَّا أنَّه لا ينبغي أن يسمَّى سُكرًا، مثل الحيرة فإنَّها تعطى اسم السُّكر عند الجهَّال، ومثل الهيمان فإنَّه يسمِّيه من لا يعرف السُّكر سكرًا، وذلك جورٌ وخروجٌ عن التحقيق، وعدولٌ عن الصواب.
قوله٣: (وما سوى ذلك فكلُّه يناقض البصائر، كسكر الحرص، وسكر الجهل، وسكر الشهوة).
أي: هذه الأنواع من السُّكر أنواع مذمومة تناقض البصائر، فسكر الحرص ينشأ من شدَّة الرغبة في الدُّنيا وعدم الزُّهد فيها، فالحريص عليها سكرانُ في صورة صاحٍ.
وكذلك سكر الجهل، فإنَّ الجهل جهلان: جهل العلم، وجهل العمل، فإذا تحكَّم الجهلان فلا تَسَلْ عن سكر صاحبهما٤.
وكذلك سكر الشهوة، فإنَّ لها سكرًا أشدَّ من سكر الخمر. وكذلك سكر
(١) ت: «غارقًا».
(٢) «المنازل» (ص ٩٨).
(٣) «المنازل» (ص ٩٨) و«شرح التلمساني» (ص ٥٤٢) واللفظ له.