مدارج السالكين

الحياة، وأودية الجمع، ولوائح الوجود).

قوله: (الصحو فوق السُّكر)، يعني: أنَّ السُّكر يكون في الانفصال، والصحو في الاتِّصال. وأيضًا فالسُّكر فناءٌ، والصحو بقاء. وأيضًا فالسُّكر غيبةٌ والصحو حضور. وأيضًا فالسُّكر غلبةٌ والصحو تمكُّن. وأيضًا فالسُّكر كالنوم والصحو كاليقظة.

وبعضهم يفضِّل مقام السُّكر على مقام الصحو ويقول: لولا البقيَّة التي بقيت فيه لما صحا، وينشد متمثِّلًا١:

ومهما بقيْ للصَّحو فيك بقيَّةٌيجد نحوك اللاحي سبيلًا إلى العذل

وهذا غلطٌ محضٌ لما ذكرنا. نعم، السُّكر فوق صحو الفراغ٢، والسَّكران بالمحبَّة خيرٌ من الصاحي منها، والصَّاحي بها خيرٌ من السَّكران فيها.

قوله: (وهو يناسب مقام البسط)، وجه المناسبة بينهما: أنَّ الانبساط لا يكون إلَّا مع الصَّحو، وإلَّا فالسُّكر لا يحتمل الانبساط.

قوله: (والصَّحو مقامٌ صاعدٌ عن الانتظار) يعني: انتظار الحضور، فإنَّ الصاحي متمكِّنٌ في الحضور، ولذلك أشبه مقامه مقام البسط، فالصَّحو أعلى من أن يصحبه الانتظار، لأنَّ صاحبه قد اتَّصل، فهو لا ينتظر الاتِّصال. ولذلك قال: (مغنٍ عن الطلب)، فإنَّ الطالب إنَّما يطلب الوصول إلى

  1. (١) البيت للتلمساني من أبياتٍ ميمية أوردها النابلسي في «خمرة الحان» (ص ٧٨)، وآخره: «إلى الظُّلم». وقد أنشده المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٠٣) أيضًا.
  2. (٢) ر: «الصحو الفارغ».
248

مطلوبه، وهذا قد اتَّصل، فصحوه مغنٍ له عن طلبه.

وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإنَّ الطلب لا يفارق العبد ما دامت الحياة تصحبه. نعم، صحوه مغنٍ١ عن طلب حظٍّ من حظوظه، وأمَّا طلب محابِّ محبوبه ومراضيه فهو أكمل ما يكون لها طلبًا.

فإن قيل: مراد الشيخ أنَّه مغنٍ عن التوجُّه والسُّلوك، فإنَّه واصلٌ، والسالك في الطريق.

قلت: العبد لا يزال في الطريق حتَّى يلحق بالله، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وهو الموت بإجماع أهل العلم كلِّهم. قال الحسن: لم يجعل الله لعبادة المؤمنين٢ أجلًا دون الموت٣.

وتقسيم أبناء الآخرة إلى طالبٍ وسالكٍ وواصلٍ: صحيحٌ باعتبارٍ، فاسدٌ باعتبارٍ؛ فكأنَّهم جعلوا السير إلى الله تعالى بمنزلة السير إلى بيته، فالناس ثلاثةٌ: طالبٌ للسَّفر، ومسافرٌ في الطريق، وواصلٌ إلى البيت.

وهذا موضعٌ زلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، ولا بدَّ من تحقيقه. فنقول ــ وبالله التوفيق ومنه الاستمداد وهو المستعان ــ:

هذا المثال غير مطابقٍ، فإنَّ الوصول إلى البيت هو غاية الطريق، فإذا وصل فقد انقطعت طريقه، وانتهى سفره. وليس كذلك الوصول إلى الله، فإنَّ

  1. (١) زيد في د فوق السطر: «له» بخط مغاير.
  2. (٢) ت: «المؤمن». وفي المطبوع: «لعبادِه ...»، تصحيف أفسد المعنى.
  3. (٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٨) ــ ومن طريقه ابن المقرئ في «معجمه» (٧٢٠) ــ وأحمد في «الزهد» (ص ٣٣٢ - ٣٣٣) بنحوه.
249

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي