مدارج السالكين

العبد إذا وصل إلى الله جدَّ به سيرُه، وقوي سفره؛ فعلامة الوصول إلى الله: الجدُّ في السَّير، والاجتهاد في السَّفر.

وهذا الموضع هو مفرق الطريقين بين الموحِّدين والملحدين، فالملحد يقول: السفر وسيلةٌ، والاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية بطالة، ومتى وصل العبدُ سقطت عنه أحكام السفر، وصار كما قيل١:

فألقت عصاها واستقرَّ بها النوىكما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ

ودُعي بعض هؤلاء إلى الصلاة وقد أقيمت، فقال٢:

يطالَب بالأوراد من كان غافلًافكيف بقلبٍ كلُّ أوقاته وردُ

وقيل لملحدٍ آخر منهم: لِمَ لا تصلِّي؟ فقال: أنتم مع أورادكم، ونحن مع وارداتنا!

وهؤلاء هم٣ الذين صاح بهم أئمَّة الطريق وأخرجوهم من دائرة الإسلام. وقال بعضهم: نعم وصلوا، ولكن إلى الشيطان لا إلى الرحمن. وقال آخر: وصلوا ولكن إلى سقر.

فكلُّ واصلٍ إلى الله: فهو طالبٌ له، وسالكٌ في طريق مرضاته.

نعم، بداية الأمر: الطلب، وتوسُّطه: السُّلوك، ونهايته: الوصول، وسيأتي بيان حقيقة الوصول الذي يشير إليه القوم في الباب الذي يلي هذا، إن شاء الله تعالى.

  1. (١) بيت سائر، اختُلف في قائله، وقد تقدَّم تخريجه (٣/ ٥٢٦).
  2. (٢) لم نقف له على قائل، وقد تقدم البيت غير مرة (١/ ١٣٣، ٣٨٠، ٣/ ٥٢٤).
  3. (٣) ليست في ش، د.
250

والمقصود: أنَّ قوله: (مغنٍ عن الطلب) كلامٌ يحتاج إلى تأويلٍ وحملٍ على معنًى يصحُّ. فإمَّا أن يُحمَل على أنَّه مغنٍ عن تكلُّف الطلب، ولا يريد هذا المعنى١.

وإمَّا أن يُحمل على أنَّه مغنٍ عن رؤية الطلب، وهذا أقرب، ولا يريده.

وإمَّا أن يحمل على أنَّه قد وصل إلى مشاهدة الأوَّليَّة، حيث تنطوي الأكوان والأسباب، ولا يبقى للطلب تأثيرٌ البتَّة، فإنَّه من عين الجود، وحصول المطلوب لم يكن موقوفًا عليه ولا به، وإنَّما هو ممَّن وجود كلِّ شيءٍ به وحده، فهو المُوجِد والمُعِدُّ والمُمِدُّ، وبيده الأسباب وسببيَّتها وقُواها وموانعها ومُعارضها، فالأمر كلُّه٢ له وبه، ومصيره كلُّه٣ إليه. فهذا معنًى صحيحٌ في نفسه، ولكنَّ صاحب هذا المقام لا يستغني عن الطلب.

قوله: (طاهرٌ من الحرج) أي: خالٍ منه، لا حرج عليه، لأنَّه قائمٌ بوظائف العبوديَّة في سكره وصحوه.

قوله: (فإنَّ السُّكر إنَّما هو في الحقِّ، والصحو إنَّما هو بالحقِّ)، يريد: أنَّ السُّكر إنَّما هو في محبَّته والشوق إليه، فقلبه مستغرقٌ في الحبِّ. والصَّحو إنَّما هو بالحقِّ٤، أي: بوجوده. وهذا كلامٌ يحتاج إلى شرحٍ وبيانٍ وعبارةٍ وافيةٍ بالغرض، فنقول والله المستعان:

  1. (١) أي أن صاحب «المنازل» لم يُرِده. والسياق في ر: «فلا يريد هذا على هذا المعنى»، وفي هامشه: «لعله: يَرِد».
  2. (٢) في ت زيادة: «ليس»، خطأ.
  3. (٣) «كلُّه» سلقطة من ت، ر.
  4. (٤) «يريد .. بالحق» ساقط من ت لانتقال النظر.
251

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي