مدارج السالكين

(ولكن حيرة مشاهدة نور العزَّة)، وهي دهشةٌ تعتري المُشاهِد لأمرٍ عظيمٍ جدًّا لا عهد له بمثله؛ بخلاف مقام الصحو، فإنَّه لقوَّته وثباته وتمكُّنه لا يعرض له ذلك.

وحاصل كلامه: أنَّ١ من كان ناظرًا في عين الحقيقة لزمته الحيرة، وهي حيرة مشاهدة أنوار العزَّة، لا حيرةُ مَن ضلَّ عن طريق مقصوده، فإنَّ الشُّبهة هي اشتباه الطريق على السالك بحيث لا يدري أعلى حقٍّ هو أم باطلٍ؟ وقد تقدَّم٢ بيان أنَّ مشاهدة نور الذات المقدَّسة في هذه الدار محالٌ، فلا نعيده.

قوله: (وما كان بالحقِّ لم يخلُ من صحَّةٍ، ولم يُخَف عليه نقيصةٌ، ولم تتعاوره علَّة)، هذا تقريرٌ منه لرفع مقام الصحو على مقام السُّكر، فإنَّه لمَّا كان بالله كان محفوظًا محروسًا من النفس والشيطان اللَّذَين هما مصدر كلِّ باطلٍ. وهذا الحفظ هو من معنى قوله: «فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها»، فأين الباطل هاهنا؟ ثمَّ قال: «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي»٣ تحقيقًا لحفظ سمعه وبصره وبطشه ومشيه.

وقوله: (ولم تتعاوره علَّة)، التعاور: الاختلاف، أي: لم تتخالف عليه العلل. والعلل: ملاحظة الأغيار، وطاعة القلب للسِّوى، وإجابته لداعيه.

  1. (١) من ت، ر.
  2. (٢) (٣/ ٥٠٣).
  3. (٣) أخرج البخاري (٦٥٠٢) أوَّله من حديث أبي هريرة، وليس فيه: «فبي يسمع ...» إلخ، فهي زيادة لا تثبت، وقد سبق تخريجها (١/ ٤٠٨).
253

قوله: (والصحو من منازل الحياة، وأودية الجمع، ولوائح الوجود)، هذا تقريرٌ أيضًا لرفع مقامه على مقام السُّكر، وقد تقدَّم ذكر الحياة ومراتبها وأقسامها.

والمناسبة بين الصَّحو والحياة: أنَّ الحياة هي المصحِّحة لجميع المقامات والأحوال، فهي التي ترمي على جميعها، كما ترمي الأودية أمواهَها١ على البحار.

قوله: (وأودية الجمع) الجمع يراد به جمعُ٢ الوجود، وجمعُ الشُّهود، وجمعُ الإرادة؛ فالأوَّل جمع أهل الإلحاد الاتِّحاديَّة، والثّاني جمع أهل الفناء، والثالث جمع الرُّسل وورثتهم، كما سيأتي تفصيل ذلك في باب الجمع إن شاء الله تعالى٣. فالصَّحو من أودية الجمع العالي، لا النازل ولا المتوسِّط.

قوله: (ولوائح الوجود)، اللَّوائح جمع لائحةٍ، وهي ما يلوح لك كالبرق وغيره، وسيأتي الكلام على الوجود الذي الصَّحوُ من لوائحه في بابه إن شاء الله تعالى.

  1. (١) أي: مِياهها. د: «أمواجها»، كأن الجيم زيدت لاحقًا بخط مغاير.
  2. (٢) «جمع» سقطت من ش، د.
  3. (٣) (ص ٤١١).
254

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي