قوله: (والصحو من منازل الحياة، وأودية الجمع، ولوائح الوجود)، هذا تقريرٌ أيضًا لرفع مقامه على مقام السُّكر، وقد تقدَّم ذكر الحياة ومراتبها وأقسامها.
والمناسبة بين الصَّحو والحياة: أنَّ الحياة هي المصحِّحة لجميع المقامات والأحوال، فهي التي ترمي على جميعها، كما ترمي الأودية أمواهَها١ على البحار.
قوله: (وأودية الجمع) الجمع يراد به جمعُ٢ الوجود، وجمعُ الشُّهود، وجمعُ الإرادة؛ فالأوَّل جمع أهل الإلحاد الاتِّحاديَّة، والثّاني جمع أهل الفناء، والثالث جمع الرُّسل وورثتهم، كما سيأتي تفصيل ذلك في باب الجمع إن شاء الله تعالى٣. فالصَّحو من أودية الجمع العالي، لا النازل ولا المتوسِّط.
قوله: (ولوائح الوجود)، اللَّوائح جمع لائحةٍ، وهي ما يلوح لك كالبرق وغيره، وسيأتي الكلام على الوجود الذي الصَّحوُ من لوائحه في بابه إن شاء الله تعالى.
قال صاحب «المنازل»١: (باب الاتِّصال. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾[النجم: ٨ - ٩] أَيْأَسَ٢ العقولَ فقطع البحثَ بقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾).
كأنَّ الشيخ فهم من الآية: أنَّ الذي دنى فتدلَّى فكان من محمَّدٍ ﷺ٣ قاب قوسين أو أدنى: هو الله ﷿. وهذا وإن قاله جماعةٌ من المفسِّرين، فالصحيح: أنَّ ذلك هو جبريل ﵊، فهو الموصوف بما ذُكر من أوَّل السُّورة إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى ١٣ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾[النجم: ١٣ - ١٤]. هكذا فسَّره النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: قالت عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقال: «ذاكِ جبريل، لم أره في صورته التي خلق عليها إلَّا مرَّتين»٤. ولفظ القرآن لا يدلُّ على غير ذلك من وجوهٍ:
أحدها: أنَّه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[النجم: ٥]. وهذا جبريل الذي وصفه بالقوَّة في سورة التكوير، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ١٩ ذِي قُوَّةٍ﴾.
الثاني: أنَّه قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾[النجم: ٦] أي: حَسَن الخَلْق، وهو الكريم
(١) «المنازل» (ص ٩٩).
(٢) ت، ر: «آيَسَ»، وهما بمعنى.
(٣) «من محمد ﷺ» ساقط من ت.
(٤) أخرجه مسلم (١٧٧) بنحوه. وهو في البخاري (٣٢٣٥) موقوفًا عليها.