مدارج السالكين

الحادي عشر: أنَّه لم يتقدَّم للربِّ ــ ﷻ ــ ذكرٌ يعود الضمير عليه في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. والذي يعود الضمير عليه لا يصلح له، وإنَّما هو لعبده.

الثاني عشر: أنَّه كيف يعود الضمير إلى ما لم يُذكَر، ويُترَك عوده إلى المذكور مع كونه أولى به؟

الثالث عشر: أنّه قد تقدَّم ذكر ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢]، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، ثمَّ ذكر بعده شديدَ القوى ذا المرَّةِ١ وأعاد عليه الضمائر التي تليق به٢، والخبر كلُّه عن هذين المفسِّرين، وهما: الرسول الملكيُّ والبشريّ.

الرابع عشر: أنَّه سبحانه أخبر أنَّ هذا الذي دنا فتدلَّى كان بالأفق الأعلى وهو أفق السماء، بل هو تحتها، فدنا من الأرض فتدلَّى من رسول الله ﷺ. ودنوُّ الربِّ تعالى وتدلِّيه على ما في حديث شريكٍ٣ كان من فوق العرش لا إلى الأرض.

الخامس عشر: أنَّهم لم يُماروه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ على رؤية ربِّه، ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها، وإنَّما مارَوه على رؤية ما أخبرهم به من الآيات التي أراه الله إيَّاها. ولو أخبرهم برؤية الربِّ تعالى لكان مماراتهم له عليها أعظمَ من مماراتهم على رؤية المخلوقات.

  1. (١) ت: «ذو المرة».
  2. (٢) «ثم ذكر ... تليق به» ساقط من ش، د لانتقال النظر.
  3. (٣) سبق لفظه وتخريجه قريبًا.
258

السادس عشر: أنّه سبحانه قرَّر صحَّة ما رآه وأنَّ مماراتهم له على ذلك باطلةٌ بقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، ولو كان المرئيُّ هو الربُّ تعالى، والمماراة على ذلك منهم= لكان تقرير تلك الرُّؤية أولى، والمقامُ إليها أحوج، والله أعلم.

قوله: (أيأس العقول بقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾)، يعني: أنَّ العقول لا تقدر تثبت على معرفة اتِّصالٍ هو أدنى مِن قابِ قوسين. وهذا بناءً على ما فهمه من الآية، وإلَّا فالعقول غير آيسةٍ من دنوِّ رسوله الملكيِّ من رسوله البشريِّ، حتّى صار في القرب منه قاب قوسين أو أدنى من قوسين، فإنَّه دنوُّ عبدٍ من عبدٍ، ومخلوقٍ من مخلوقٍ.

يبقى أن يقال: فما فائدة ذكر ﴿أَوْ﴾؟

فيقال: هي لتقرير المذكور قبلها، وأنَّ القرب إن لم ينقص عن قدر قوسين لم يزد عليهما. وهذا كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، والمعنى: أنَّهم إن لم يزيدوا على المائة الألف لم ينقصوا عنها، فهو تقريرٌ لنصِّيَّة عدد المائة الألف، فتأمَّلْه.

قال١: (والاتِّصال ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: اتِّصال٢ الاعتصام، ثمَّ اتِّصال الشُّهود، ثمَّ اتِّصال الوجود. فاتِّصال الاعتصام: تصحيح القصد، ثمَّ تصفية الإرادة، ثمَّ تحقيق الحال).

أمَّا القسمان الأوَّلان ــ وهما: اتِّصال الاعتصام واتِّصال الشُّهود ــ فلا

  1. (١) «المنازل» (ص ٩٩).
  2. (٢) سقط من ش، د، ثم استدرك في الثاني لحقًا.
259

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي