إشكال فيهما، فإنَّهما مقاما الإيمان والإحسان، فاتِّصال الاعتصام مقام الإيمان، واتِّصال الشُّهود مقام الإحسان. وعندي أنَّه ليس وراء ذلك مرمًى، وكلُّ ما يُذكر بعد ذلك من اتِّصالٍ صحيحٍ فهو من مقام الإحسان، فاتِّصال الوجود لا حقيقة له. ولكن لا بدَّ من ذكر مراد الشيخ وأهل الاستقامة بهذا الاتِّصال، ومرادِ أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود منه، إذا انتهينا إلى ذكره إن شاء الله.
اعتصام توكُّلٍ واستعانةٍ وتفويضٍ ولَجْءٍ وعياذٍ، وإسلام النفس إليه، والاستسلام له سبحانه.
والثاني: اعتصامٌ بوحيه، وهو تحكيمه دون آراء الرِّجال ومقاييسهم ومعقولاتهم، وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو مُتخلٍّ من هذا الاعتصام.
فالدِّين كلُّه في الاعتصام به وبحبله، علمًا وعملًا، وإخلاصًا واستعانةً ومتابعةً، واستمرارًا على ذلك إلى يوم لقائه.
قوله: (ثمَّ اتِّصال الشُّهود)، تقدَّم ذكر المشاهدة قريبًا١، وبيَّنَّا أنَّ المشاهدة هي تحقيق مقام الإحسان. فالاتِّصال الأوَّل: اتِّصال العلم والعمل، والثاني: اتِّصال الحال والمعرفة.
قوله: (ثمَّ اتِّصال الوجود)، الوجود: الظفر بحقيقة الشيء، ومعاذ الله أن يريد الشيخ أنَّ وجود العبد يتَّصل بوجود الربِّ، فيصير الكلُّ وجودًا واحدًا، كما يظنُّه الملحد٢، فإنَّ كفر النصارى جزءٌ يسير من هذا الكفر. وهو أيضًا كلامٌ لا معنى له، فإنَّ العبد ــ بل لا عبدَ في الحقيقة عندهم ــ لم يزل كذلك، ولو كان أفسق الخلق وأفجرهم، فنفس وجوده متَّصِلٌ بوجود ربِّه، بل هو عين وجوده، بل لا ربَّ عندهم ولا عبد!
وإنّما يريد الشَّيخ باتِّصال الوجود: أنَّ العبد يجد ربَّه بعد أن كان فاقدًا له، فهو بمنزلة من كان يطلب كنزًا ولا وصول له إليه، فظفر به بعد ذلك ووجده، واستغنى به غاية الغنى، فهذا اتِّصال الوجود، كما في الأثر: «اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كلَّ شيءٍ، وإن فُتُّك فاتك كلُّ شيءٍ»٣.
وهذا الوجود من العبد لربِّه يتنوَّع بحسب حال العبد ومقامه، فالتائب الصادق في توبته إذا تاب إليه وجده غفورًا رحيمًا، والمتوكِّل إذا صدق في التوكُّل عليه وجده حسيبًا كافيًا، والداعي إذا صدق في الرغبة إليه وجده قريبًا مجيبًا، والمحبُّ إذا صدق في محبَّته وجده ودودًا حبيبًا، والملهوف إذا صدق