قوله: (ثمَّ اتِّصال الشُّهود)، تقدَّم ذكر المشاهدة قريبًا١، وبيَّنَّا أنَّ المشاهدة هي تحقيق مقام الإحسان. فالاتِّصال الأوَّل: اتِّصال العلم والعمل، والثاني: اتِّصال الحال والمعرفة.
قوله: (ثمَّ اتِّصال الوجود)، الوجود: الظفر بحقيقة الشيء، ومعاذ الله أن يريد الشيخ أنَّ وجود العبد يتَّصل بوجود الربِّ، فيصير الكلُّ وجودًا واحدًا، كما يظنُّه الملحد٢، فإنَّ كفر النصارى جزءٌ يسير من هذا الكفر. وهو أيضًا كلامٌ لا معنى له، فإنَّ العبد ــ بل لا عبدَ في الحقيقة عندهم ــ لم يزل كذلك، ولو كان أفسق الخلق وأفجرهم، فنفس وجوده متَّصِلٌ بوجود ربِّه، بل هو عين وجوده، بل لا ربَّ عندهم ولا عبد!
وإنّما يريد الشَّيخ باتِّصال الوجود: أنَّ العبد يجد ربَّه بعد أن كان فاقدًا له، فهو بمنزلة من كان يطلب كنزًا ولا وصول له إليه، فظفر به بعد ذلك ووجده، واستغنى به غاية الغنى، فهذا اتِّصال الوجود، كما في الأثر: «اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كلَّ شيءٍ، وإن فُتُّك فاتك كلُّ شيءٍ»٣.
وهذا الوجود من العبد لربِّه يتنوَّع بحسب حال العبد ومقامه، فالتائب الصادق في توبته إذا تاب إليه وجده غفورًا رحيمًا، والمتوكِّل إذا صدق في التوكُّل عليه وجده حسيبًا كافيًا، والداعي إذا صدق في الرغبة إليه وجده قريبًا مجيبًا، والمحبُّ إذا صدق في محبَّته وجده ودودًا حبيبًا، والملهوف إذا صدق
(١) (ص ٢٦٠).
(٢) أي: التلمساني في «شرحه» (ص ٥٤٩ - ٥٥٠).
(٣) سبق تخريجه (٣/ ١٠٠).
في الاستغاثة به وجده كاشفًا للكرب مخلِّصًا منه١، والمضطرُّ إذا صدق في الاضطرار إليه وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللَّجْءِ إليه وجده مؤمِّنًا٢ له من المخوف، والراجي إذا صدق في الرجاء وجده عند ظنِّه به.
فمحبُّه وطالبه ومريده، ومن لا يبغي به بدلًا، ولا يرضى بسواه عوضًا، إذا صدق في محبَّته وإرادته وجده أيضًا وجودًا أخصَّ من تلك الوجودات، فإنَّه إذا كان المريد منه يجده، فكيف مريدُه ومحبُّه!
فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربِّه. أمَّا ظفره بنفسه فتصير منقادةً له، مطيعةً له، تابعةً مرتاضةً٣، غيرَ أبيَّةٍ ولا أمَّارةٍ، بل تصير خادمةً له مملوكةً بعد أن كانت مخدومةً مالكةً. وأمَّا ظفره بربِّه فقربُه منه وأنسه به، وعمارةُ سرِّه به، وفرحُه وسرورُه به أعظمَ فرحٍ وسرورٍ. فهذا حقيقة اتِّصال الوجود، والله المستعان.
قلت: تصحيح القصد يكون بشيئين: إفراد المقصود، وجمع الهمِّ عليه. وحقيقته توحيد القصد والمقصود، فمتى انقسم قصده أو مقصوده لم يكن صحيحًا. وقد عبَّر عنه الشيخ فيما تقدَّم٤ بأنَّه: (قصدٌ يبعث على الارتياض،
(١) ت: «للكروب مخلصًا منها».
(٢) في هامش د: «صوابه: مأمنًا». والمثبت صواب لا غبار عليه.
(٣) ش، د، ر: «مرضاته». في المطبوعات: «لمرضاته». والمثبت من ت أقرب.