مدارج السالكين

في الاستغاثة به وجده كاشفًا للكرب مخلِّصًا منه١، والمضطرُّ إذا صدق في الاضطرار إليه وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللَّجْءِ إليه وجده مؤمِّنًا٢ له من المخوف، والراجي إذا صدق في الرجاء وجده عند ظنِّه به.

فمحبُّه وطالبه ومريده، ومن لا يبغي به بدلًا، ولا يرضى بسواه عوضًا، إذا صدق في محبَّته وإرادته وجده أيضًا وجودًا أخصَّ من تلك الوجودات، فإنَّه إذا كان المريد منه يجده، فكيف مريدُه ومحبُّه!

فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربِّه. أمَّا ظفره بنفسه فتصير منقادةً له، مطيعةً له، تابعةً مرتاضةً٣، غيرَ أبيَّةٍ ولا أمَّارةٍ، بل تصير خادمةً له مملوكةً بعد أن كانت مخدومةً مالكةً. وأمَّا ظفره بربِّه فقربُه منه وأنسه به، وعمارةُ سرِّه به، وفرحُه وسرورُه به أعظمَ فرحٍ وسرورٍ. فهذا حقيقة اتِّصال الوجود، والله المستعان.

قوله: (فاتِّصال الاعتصام: تصحيح القصد، ثمَّ تصفية الإرادة، ثمَّ تحقيق الحال).

قلت: تصحيح القصد يكون بشيئين: إفراد المقصود، وجمع الهمِّ عليه. وحقيقته توحيد القصد والمقصود، فمتى انقسم قصده أو مقصوده لم يكن صحيحًا. وقد عبَّر عنه الشيخ فيما تقدَّم٤ بأنَّه: (قصدٌ يبعث على الارتياض،

  1. (١) ت: «للكروب مخلصًا منها».
  2. (٢) في هامش د: «صوابه: مأمنًا». والمثبت صواب لا غبار عليه.
  3. (٣) ش، د، ر: «مرضاته». في المطبوعات: «لمرضاته». والمثبت من ت أقرب.
  4. (٤) (١/ ٢٠٢).
262

ويخلِّص من التردُّد، ويدعو إلى مجانبة الأغراض)؛ فالاتِّصال في هذه الدرجة بهذا القصد.

قوله: (ثمَّ تصفية الإرادة)، هو تخليصها من الشوائب وتعلُّقها بالسِّوى أو بالأعواض، بل تكون إرادةً صافيةً من ذلك كلِّه، بحيث تكون متعلِّقةً بالله وبمراده الدينيِّ الشرعيِّ، كما تقدَّم بيانه.

قوله: (ثمَّ تحقيق الحال) أي: يكون له حالٌ محقَّقٌ ثابت، لا يكتفي بمجرَّد العلم حتَّى يصحبه العمل، ولا بمجرَّد العمل حتَّى يصحبه الحال، فتصير الإرادة والمحبَّة والإنابة والتوكُّل وحقائق الإيمان حالًا لقلبه، قد انصبغ قلبه بها بحيث لو تعطَّلت جوارحه كان قلبه في العمل والسَّيرِ إلى الله، وربَّما يكون عملُ قلبه أقوى من عمل جوارحه.

قوله١: (الدرجة الثانية: اتِّصال الشُّهود، وهو الخلاص من الاعتلال، والغنى عن الاستدلال، وسقوط شتات الأسرار).

الاعتلال هو العوائق والعلل، والخلاص منها هو الصحَّة. ولهذا كانت هذه الدرجة أعلى ممَّا قبلها، فإنَّ الأولى اتِّصالٌ بصحَّة القصود والأعمال، وهذه اتِّصالٌ برؤيةِ مَنِ العملُ له، على تحقيق مشاهدته بالبصيرة، فيتخلَّص٢ العبد بذلك مِن عِلَل الأعمال واستكثارها واستحسانها والسُّكون إليها.

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٠).
  2. (٢) ت: «فيخلص».
263

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي