مدارج السالكين

وقوله: (والغنى عن الاستدلال) أي: هو مستغنٍ بمشاهدة المدلول عليه١ عن طلب الدليل، فإنَّ طالب الدليل إنَّما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول، فإذا كان مشاهدًا للمدلول، فما له ولطلب الدليل؟

وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌإذا احتاج النهار إلى دليلِ٢

فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل عليه مَن النهارُ بعضُ آياته الدالَّةِ عليه؟ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]. ولهذا خاطبت الرُّسل قومهم خطابَ من لا يشكُّ في ربِّه ولا يرتاب في وجوده، فقالت لهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١٠].

قوله: (ويسقط عنه٣ شتات الأسرار) يعني: أنَّ الخلاصَ من الاعتلال والغَناءَ٤ باتِّصال الشُّهود عن الاستدلال يُسقط عنه شتات الأسرار، وهو تفرُّقُ باله وتشتُّت قلبِه في الأكوان؛ فإنَّ اتِّصال شهوده يجمعه على المشهود، كما أنَّ دوام الذِّكر الذي تواطأ عليه القلبُ واللِّسانُ وشهودُ المذكور يجمعه عليه ويُسقط شتاته، فالشّتات مصحوب الغيبة، وسقوطه مصحوب الحضور، والله المستعان٥.

  1. (١) «عليه» من ت، ر.
  2. (٢) البيت للمتنبِّي في «ديوانه» (٣/ ٢١٥).
  3. (٣) لفظ «المنازل» كما سبق: «وسقوطُ».
  4. (٤) تصحَّف في ر، والمطبوعات إلى «الفناء»! وقد سبق آنفًا في كلام صاحب «المنازل»: «والغِنى عن الاستدلال».
  5. (٥) «والله المستعان» ليست في د.
264

قوله١: (الدرجة الثالثة: اتِّصال الوجود، وهذا الاتِّصال لا يُدرَك منه نعتٌ ولا مقدارٌ، إلَّا اسمٌ معارٌ، ولمحٌ إليه يُشار٢).

يقول: لما لم يُعهَد هذا النوع من الاتِّصال، وكان أعزَّ شيءٍ وأغربه على النُّفوس علمًا وحالًا= لم تَفِ العبارة بكشفه، فإنَّ اللفظ ظلوم٣ والعبارة فتَّانة، إمَّا أن يزيغ٤ إلى زيادةٍ مُفسدةٍ أو نقصٍ مخلٍّ، أو يَعدِل بالمعنى إلى غيره فيُظَنَّ أنَّه هو.

والذي تُمْكِن العبارةُ عنه مِن ذلك أنَّه: غلبة نور القرب، وتمكُّن المحبَّة، وقوَّة الأنس، وكمال المراقبة، واستيلاء الذِّكر القلبيِّ، فيذهب العبدُ عن إدراكه بحاله لِما قهره من هذه الأمور، فيبقى بوجودٍ آخر غير وجوده الطَّبعي٥.

وما أظنُّك تصدِّق بهذا: أنَّه يُصيِّر له وجودًا٦ آخر، وتقول: هذا خيالٌ ووهمٌ! فلا تعجل بإنكار ما لم تُحِط بعلمه، فضلًا عن ذوق حاله؛ وأعط القوس باريها، وخلِّ المطايا وحاديها. فلو أنصفت لعرفت أنَّ الوجود الحاصل لمعذَّبٍ مُضيَّقٍ عليه في أسوأ حالٍ وأضيقِ سجنٍ وأنكدِ عيشٍ إذا

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٠).
  2. (٢) ت، ر: «مُشار». وهو لفظ مطبوعة «المنازل» وشرحي التلمساني (ص ٥٤٩) والقاساني (ص ٥٥٧).
  3. (٣) ر: «لملوم»، تصحيف.
  4. (٤) أي: اللفظ.
  5. (٥) ت، ر: «الطبيعي».
  6. (٦) في المطبوع: «يصير له وجودٌ».
265

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي