مدارج السالكين

قوله١: (الدرجة الثالثة: اتِّصال الوجود، وهذا الاتِّصال لا يُدرَك منه نعتٌ ولا مقدارٌ، إلَّا اسمٌ معارٌ، ولمحٌ إليه يُشار٢).

يقول: لما لم يُعهَد هذا النوع من الاتِّصال، وكان أعزَّ شيءٍ وأغربه على النُّفوس علمًا وحالًا= لم تَفِ العبارة بكشفه، فإنَّ اللفظ ظلوم٣ والعبارة فتَّانة، إمَّا أن يزيغ٤ إلى زيادةٍ مُفسدةٍ أو نقصٍ مخلٍّ، أو يَعدِل بالمعنى إلى غيره فيُظَنَّ أنَّه هو.

والذي تُمْكِن العبارةُ عنه مِن ذلك أنَّه: غلبة نور القرب، وتمكُّن المحبَّة، وقوَّة الأنس، وكمال المراقبة، واستيلاء الذِّكر القلبيِّ، فيذهب العبدُ عن إدراكه بحاله لِما قهره من هذه الأمور، فيبقى بوجودٍ آخر غير وجوده الطَّبعي٥.

وما أظنُّك تصدِّق بهذا: أنَّه يُصيِّر له وجودًا٦ آخر، وتقول: هذا خيالٌ ووهمٌ! فلا تعجل بإنكار ما لم تُحِط بعلمه، فضلًا عن ذوق حاله؛ وأعط القوس باريها، وخلِّ المطايا وحاديها. فلو أنصفت لعرفت أنَّ الوجود الحاصل لمعذَّبٍ مُضيَّقٍ عليه في أسوأ حالٍ وأضيقِ سجنٍ وأنكدِ عيشٍ إذا

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٠).
  2. (٢) ت، ر: «مُشار». وهو لفظ مطبوعة «المنازل» وشرحي التلمساني (ص ٥٤٩) والقاساني (ص ٥٥٧).
  3. (٣) ر: «لملوم»، تصحيف.
  4. (٤) أي: اللفظ.
  5. (٥) ت، ر: «الطبيعي».
  6. (٦) في المطبوع: «يصير له وجودٌ».
265

فارق هذه الحال، وصار إلى مُلكٍ هنيٍّ واسعٍ نافذةٍ فيه كلمتُه، مطاعٍ أمره، قد انقادت له الجيوش واجتمعت عليه الأمَّة= فإنَّ وجوده حينئذٍ غير الوجود الذي كان فيه. وهذا تشبيهٌ على التقريب، وإلَّا فالأمر أعظم من ذلك وأعظم، فلهذا قال: (لا يُدرَك منه نعت)، أي: لا يُدرك منه نعتٌ يُطابقه ويحيط به، فإنَّ الأمور العظيمة جدًّا نعتُها لا يكشف حقيقتها على ما هي عليه، وليس في الدُّنيا ممَّا في الآخرة إلَّا الأسماء، وإنَّما يُذكَر بعض لوازمها ومتعلَّقاتها، فيدلُّ بالمذكور على غيره.

وقوله: (ولا مقدار) يريد: مقدار الشرف والمنزلة، كما تقول: فلانٌ كبير المقدار.

وقوله: (إلَّا اسمٌ معارٌ ولمحٌ إليه يُشار)، لمَّا كان الاسم لا يبلغ الحقيقة ولا يطابقها، فكأنَّه لغيرها وأعير إطلاقُه عليها عاريةً. وكذلك اللمح المشار هو الذي يُشار به إشارةً إلى الحقيقة.

وبعد، فالشَّيخ يدندن حول بحر الفناء، وكأنَّه يقول: صاحب هذا الاتِّصال قد فني في الوجود، بحيث صار نقطةً انحلَّ تعيُّنها، واضمحلَّ تكوُّنها، ورجع عودُها على بدئها، ففني من لم يكن، وبقي من لم يزل؛ فهناك طاحت الإشارات، وذهبت العبارات، وفنيت الرُّسوم ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].

266

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي