مدارج السالكين

فارق هذه الحال، وصار إلى مُلكٍ هنيٍّ واسعٍ نافذةٍ فيه كلمتُه، مطاعٍ أمره، قد انقادت له الجيوش واجتمعت عليه الأمَّة= فإنَّ وجوده حينئذٍ غير الوجود الذي كان فيه. وهذا تشبيهٌ على التقريب، وإلَّا فالأمر أعظم من ذلك وأعظم، فلهذا قال: (لا يُدرَك منه نعت)، أي: لا يُدرك منه نعتٌ يُطابقه ويحيط به، فإنَّ الأمور العظيمة جدًّا نعتُها لا يكشف حقيقتها على ما هي عليه، وليس في الدُّنيا ممَّا في الآخرة إلَّا الأسماء، وإنَّما يُذكَر بعض لوازمها ومتعلَّقاتها، فيدلُّ بالمذكور على غيره.

وقوله: (ولا مقدار) يريد: مقدار الشرف والمنزلة، كما تقول: فلانٌ كبير المقدار.

وقوله: (إلَّا اسمٌ معارٌ ولمحٌ إليه يُشار)، لمَّا كان الاسم لا يبلغ الحقيقة ولا يطابقها، فكأنَّه لغيرها وأعير إطلاقُه عليها عاريةً. وكذلك اللمح المشار هو الذي يُشار به إشارةً إلى الحقيقة.

وبعد، فالشَّيخ يدندن حول بحر الفناء، وكأنَّه يقول: صاحب هذا الاتِّصال قد فني في الوجود، بحيث صار نقطةً انحلَّ تعيُّنها، واضمحلَّ تكوُّنها، ورجع عودُها على بدئها، ففني من لم يكن، وبقي من لم يزل؛ فهناك طاحت الإشارات، وذهبت العبارات، وفنيت الرُّسوم ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].

266

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (باب الانفصال. قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. ليس في المقامات شيءٌ فيه من التّفاوت ما في الانفصال).

وجه الإشارة بالآية أنَّه سبحانه المقرِّب المُبعد، فليحذر القريب من الإبعاد والمتَّصل من الانفصال، فإنَّ الحقَّ ــ ﷻ ــ غيورٌ، لا يرضى ممَّن عرفه ووجد حلاوة معرفته، واتَّصل قلبه بمحبَّته والأنس به، وتعلَّقت روحه بإرادة وجهه الأعلى= أن يكون له التفاتٌ إلى غيره البتَّة.

ومِن غَيرته سبحانه حرَّم الفواحش، والله سبحانه يغار أشدَّ الغَيرة على عبده أن يلتفت إلى سواه؛ فإذا أذاقه حلاوةَ محبَّتِه، ولذَّةَ الشَّوق إليه، وأنسَ معرفته، ثمَّ ساكن غيره= باعَدَه مِن قربه، وقطعه مِن وصله، وأوحش سرَّه، وشتَّت قلبه، ونَغَّص عيشه، وألبسه رداءَ الذلِّ والصغار والهوان؛ فنادى عليه حالُه، إن لم يصرِّح به قالُه: هذا جزاء من تعوَّض عن وليِّه وإلهه وفاطره ومَن لا حياة له إلَّا به بغيره، وآثر غيرَه عليه، فاتَّخذ سواه له حبيبًا، ورضي بغيره أَنيسًا، واتّخذ سواه وليًّا،٢ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].

  1. (١) (ص ١٠٠).
  2. (٢) زِيد في ر: «قال الله تعالى».
267

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي