مدارج السالكين

أمره بذبحه، حتّى يخرج من قلبه١.

إنَّما كان الشِّرك عنده ذنبًا لا يُغفَر لتعلُّق قلب المشرك به وبغيره، فكيف بمن علَّق قلبَه كلَّه بغيره وأعرض عنه بكلِّيَّته؟

إذا أردت أن تعرف ما حلَّ بك من بلاء الانفصال وذلِّ الحجاب، فانظر لمن استعبد قلبَك، واستخدم جوارحَك، وبمن شُغِل سرُّك، وأين يبيت قلبك إذا أخذت مضجعك؟ وإلى أين يطير إذا استيقظتَ من منامك؟ فذلك هو معبودك وإلهك؛ فإذا سمعت النِّداء يوم اللقاء: لينطلق كلُّ أحدٍ مع من كان يعبده٢، انطلقت معه كائنًا من كان.

لا إله إلَّا الله! ما أشدَّ غبنَ من باع أطيب الحياة في هذه الدار المتَّصلة بالحياة الطيِّبة هناك والنعيمَ المقيمَ بالحياة المنغَّصة المنكَّدة٣ المتَّصلة بالعذاب الأليم؛ والمدَّةُ ساعةٌ من نهارٍ، أو عشيَّةٌ أو ضحاها، أو يومٌ أو بعض يومٍ، فيه ربح الأبد وخسارة الأبد٤.

فما هي إلَّا ساعةٌ ثمَّ تنقضيويذهب هذا كلُّه ويزولُ٥
  1. (١) زِيد في ر: «ذلك المزاحم».
  2. (٢) كما ثبت من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الطويل في الشفاعة. أخرجه البخاري (٨٠٦) ومسلم (١٨٢).
  3. (٣) ش، د: «المنكرة»، تصحيف. ت: «النكدة».
  4. (٤) ر: «أو خسارة الأبد».
  5. (٥) أنشده المؤلف في «بدائع الفوائد» (٢/ ٦٧٢) و«الداء والدواء» (ص ٤٥٤) و«روضة المحبين» (ص ٩). ولعله أخذه من شعرٍ لبهاء الدين زُهير الكاتب في «ديوانه» (ص ٢٧٩):
    وما هي إلا غيبةٌ ثم نلتقي ... ويذهب هذا كلُّه ويزولُ
269

فصل

قال الشيخ١: «ليس في المقامات شيءٌ فيه من التفاوت ما في الانفصال».

يعني: أنَّ بين درجات المقامات تناسب٢ واختلاف قريب٣، ومقام الانفصال قليل التناسب في درجاته كثيرُ التفاوت، كما سنذكره.

قال٤: (ووجوهه ثلاثة. أحدها: انفصالٌ هو شرط الاتِّصال، وهو الانفصال عن الكونين بانفصال نظرك إليهما، وانفصالِ توقُّفك عليهما، وانفصالِ مبالاتك بهما).

يعني: أنَّ انفصال العبد عن رسومه بالفناء هو شرط اتِّصال وجوده بالبقاء، فلا ولاءَ إلا ببراءٍ٥: لا ولاءَ لله ورسوله إلَّا بالبراء ممَّا يضادُّ ذلك ويخالفه. وقد قال إمام الحنفاء لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. وقال الفتية: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]، أي: فلم تعتزلوه.

وهذه العبارة التي ذكرها الشيخ في بادئ الرأي لا تخلو عن إنكارٍ حتَّى

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٠).
  2. (٢) كذا، والجادة النصب.
  3. (٣) ر: «يسير».
  4. (٤) «المنازل» (ص ١٠٠).
  5. (٥) في ت وُضعت إشارة لحذف «ولاء إلا ببراء».
270

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي