يتبيَّن١ معناها والمراد بها، فإنَّ الكونين عبارةٌ عن جميع ما خلقه الله في الدُّنيا والآخرة، ويعبَّر عنهما بعالم الغيب وعالم الشهادة، وفيهما الرُّسل والأنبياء، والملائكة والأولياء، فكيف ينفصل عنهم ولا ينظر إليهم، ولا يقف بقلبه عليهم، ولا يبالي بهم؟
فاعلم أنَّ في لسان القوم من الاستعارات، وإطلاق العامِّ وإرادة الخاصِّ، وإطلاق اللَّفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه= ما ليس في لسان أحدٍ من الطوائف غيرهم. ولهذا يقولون: نحن أصحاب الإشارة لا أصحاب العبارة٢، والإشارة لنا والعبارة لغيرنا. وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد، ويريدون بها معنًى لا فساد فيه. وصار هذا سببًا لفتنة طائفتين: طائفة تعلَّقوا عليهم بظاهر عباراتهم، فبدَّعوهم وضلَّلوهم؛ وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم، فصوَّبوا تلك العبارات، وصحَّحوا تلك الإشارات. وطالب الحقِّ يقبله ممَّن كان، ويردُّ ما خالفه على من كان.
ومراد الشيخ وأهل الاستقامة: أنَّ النفس لمَّا كانت مائلةً إلى الملذوذات المحسوسة والمعنويَّة المشاهدة والغائبة٣ = كان النظر إليها والوقوفُ معها علَّةً في الطريق والقصد جميعًا، فكان شاغلًا لها عن النظر إلى نفس المقصود وحده، والوقوفِ معه دون غيره، والالتفاتِ إليه دون ما سواه.
فمتى قوي تعلُّق القلب بالمقصود الأعلى، بحيث يَشْغَله ذكرُه عن ذكر
(١) ت، ر: «يبين».
(٢) ت، ر: «إشارةٍ ... عبارةٍ».
(٣) ت، ر: «المعاينة»، ولعل المثبت أقرب.
غيره، وحبُّه عن حبِّ غيره، وخوفُه ورجاؤه عن خوف غيره ورجائه، وكان أنسُه به خاصَّةً= انفصل عن ذكر غيره في حال شغله به سبحانه، إذ ليس فيه اتِّساعٌ لغيره، فانفصل في هذه الحال نظرُه إلى الكونين، وانفصل توقُّفه عليهما، وانفصلت مبالاته بهما ضرًّا أو نفعًا، أو عطاءً أو منعًا.
وهذه الحال لا تدوم له؛ فإذا رجع إلى الكون بحكم طبعه١ وأنَّه جزءٌ من الكون ذكر الرُّسل والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام وأحسنِ الذِّكر، وذكر أعداءهم باللعن والطعن وأقبحِ الذِّكر؛ فهذا وظيفته في هذه الحال، وتلك وظيفته في ذلك المقام.
والمقصود: أنَّه انفصالُ شهودٍ في بعض الأحوال، لا انفصال وجودٍ، ولا انفصال شهودٍ دائمًا أبدًا. ولا تلتفت إلى غير هذا، فإنّه خيالٌ ووهم، لا نطيل الكتاب بذكره.
قال٢: (الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال الذي ذكرنا، وهو أن لا يترايا عندك في شهود التحقيق شيءٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ).
إنَّما كانت هذه الدرجة أعلى عنده ممَّا قبلها من حيث كانت الأولى وسيلةً إليها، وكانت هذه غايةً لها ومرتَّبةً عليها، فإنَّ المنفصل من الكونين شغلًا بالله ﷿ قد تسكن نفسه إلى مقامه من الانفصال، ويساكنه بسرِّه وقلبه، ويغيب عنه أنَّه محضُ منَّة الله ومجرَّدُ فضله وعطائه، فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية انفصاله، ويضيف ذلك إلى أهله ووليِّه المانِّ به.
(١) ت، ر: «طبيعته».
(٢) «المنازل» (ص ١٠٠) و«شرح التلمساني» (ص ٥٥٢) واللفظ له.