مدارج السالكين

غيره، وحبُّه عن حبِّ غيره، وخوفُه ورجاؤه عن خوف غيره ورجائه، وكان أنسُه به خاصَّةً= انفصل عن ذكر غيره في حال شغله به سبحانه، إذ ليس فيه اتِّساعٌ لغيره، فانفصل في هذه الحال نظرُه إلى الكونين، وانفصل توقُّفه عليهما، وانفصلت مبالاته بهما ضرًّا أو نفعًا، أو عطاءً أو منعًا.

وهذه الحال لا تدوم له؛ فإذا رجع إلى الكون بحكم طبعه١ وأنَّه جزءٌ من الكون ذكر الرُّسل والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام وأحسنِ الذِّكر، وذكر أعداءهم باللعن والطعن وأقبحِ الذِّكر؛ فهذا وظيفته في هذه الحال، وتلك وظيفته في ذلك المقام.

والمقصود: أنَّه انفصالُ شهودٍ في بعض الأحوال، لا انفصال وجودٍ، ولا انفصال شهودٍ دائمًا أبدًا. ولا تلتفت إلى غير هذا، فإنّه خيالٌ ووهم، لا نطيل الكتاب بذكره.

قال٢: (الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال الذي ذكرنا، وهو أن لا يترايا عندك في شهود التحقيق شيءٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ).

إنَّما كانت هذه الدرجة أعلى عنده ممَّا قبلها من حيث كانت الأولى وسيلةً إليها، وكانت هذه غايةً لها ومرتَّبةً عليها، فإنَّ المنفصل من الكونين شغلًا بالله ﷿ قد تسكن نفسه إلى مقامه من الانفصال، ويساكنه بسرِّه وقلبه، ويغيب عنه أنَّه محضُ منَّة الله ومجرَّدُ فضله وعطائه، فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية انفصاله، ويضيف ذلك إلى أهله ووليِّه المانِّ به.

  1. (١) ت، ر: «طبيعته».
  2. (٢) «المنازل» (ص ١٠٠) و«شرح التلمساني» (ص ٥٥٢) واللفظ له.
272

وهذا التفصيل يتضمَّن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أوَّل الباب، فإنَّه ذكر في الدرجة الأولى أنَّ الانفصال شرطٌ في الاتِّصال، وقال هاهنا: (لا يترايا عندك في شهود التحقيق سببٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ)، وهذا يناقض ما ذكره، ولا يجتمع معنى كلاميه، بل بينهما تفاوت التناقض؛ فأين شرط حصول الشيء من شهود عدم كونه سببًا وشرطًا؟!

والجواب عن هذا: أنَّ كون الشيء شرطًا وسببًا لحصول شيءٍ لا يناقض أن يكون عدمُ رؤيته شرطًا لحصول ذلك الشيء، فيكون حصوله مشروطًا بوجود ذلك الشيء في نفس الأمر وبعدم رؤية العبد له، فتكون الرُّؤية مانعةً، وإيضاح ذلك ببيان كلامه:

فقوله: (انفصالٌ عن رؤية الانفصال) يعني: أنَّ العبد يرى حالة الشُّهود أنّه انفصل عن الكونين، ثمَّ اتصل بجناب العزَّة، فيشهد اتِّصالًا بعد انفصالٍ. وهذه الرُّؤية في التحقيق ليست صحيحةً، لأنَّه لم ينفصل عن الكونين أصلًا، لكنَّه توهَّم ذلك، فإذا تبيَّن١ أنَّه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور، لتحقُّقه أنَّه لم يكن صحيحًا.

ثمّ بيَّن كيف يصحُّ له انفصاله عن انفصاله٢، فقوله: (أن لا يترايا) أي: لا يظهر لك٣ (شيءٌ في شهود التحقيق) يكون هو السبب الموجب للاتصالِ٤، فكأنَّه قال: أن تشهد التحقيق، فيريك شهوده أنَّك ما انفصلت

  1. (١) في ت زيادة: «له».
  2. (٢) «عن انفصاله» ساقط من ش، د.
  3. (٣) ش، د: «ذلك»، تصحيف.
  4. (٤) ش، د، ت: «للانفصال». ولعل المثبت أقرب، فإن الانفصال هو السبب الموجب للاتصال.
273

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي