مدارج السالكين

وهذا التفصيل يتضمَّن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أوَّل الباب، فإنَّه ذكر في الدرجة الأولى أنَّ الانفصال شرطٌ في الاتِّصال، وقال هاهنا: (لا يترايا عندك في شهود التحقيق سببٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ)، وهذا يناقض ما ذكره، ولا يجتمع معنى كلاميه، بل بينهما تفاوت التناقض؛ فأين شرط حصول الشيء من شهود عدم كونه سببًا وشرطًا؟!

والجواب عن هذا: أنَّ كون الشيء شرطًا وسببًا لحصول شيءٍ لا يناقض أن يكون عدمُ رؤيته شرطًا لحصول ذلك الشيء، فيكون حصوله مشروطًا بوجود ذلك الشيء في نفس الأمر وبعدم رؤية العبد له، فتكون الرُّؤية مانعةً، وإيضاح ذلك ببيان كلامه:

فقوله: (انفصالٌ عن رؤية الانفصال) يعني: أنَّ العبد يرى حالة الشُّهود أنّه انفصل عن الكونين، ثمَّ اتصل بجناب العزَّة، فيشهد اتِّصالًا بعد انفصالٍ. وهذه الرُّؤية في التحقيق ليست صحيحةً، لأنَّه لم ينفصل عن الكونين أصلًا، لكنَّه توهَّم ذلك، فإذا تبيَّن١ أنَّه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور، لتحقُّقه أنَّه لم يكن صحيحًا.

ثمّ بيَّن كيف يصحُّ له انفصاله عن انفصاله٢، فقوله: (أن لا يترايا) أي: لا يظهر لك٣ (شيءٌ في شهود التحقيق) يكون هو السبب الموجب للاتصالِ٤، فكأنَّه قال: أن تشهد التحقيق، فيريك شهوده أنَّك ما انفصلت

  1. (١) في ت زيادة: «له».
  2. (٢) «عن انفصاله» ساقط من ش، د.
  3. (٣) ش، د: «ذلك»، تصحيف.
  4. (٤) ش، د، ت: «للانفصال». ولعل المثبت أقرب، فإن الانفصال هو السبب الموجب للاتصال.
273

بنفسك عن شيءٍ، ولا اتَّصلت بنفسك بشيءٍ، بل الأمر كلُّه بيد غيرك، فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك.

وأمَّا الملحد فيفسِّر كلامه بغير هذا، ويقول١: إذا شهدت الحقيقة أرتك أنَّك ما انفصلت من شيءٍ، ولا اتَّصلت بشيءٍ، فإنَّ تلك اثنينيَّةٌ تنافي الوحدة المطلقة.

فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحيَّة من الاحتمال، وكيف يجرُّها كلُّ أحدٍ إلى نحلته ومذهبه؟ ولهذا يقول الملحد٢: إنَّه ليس هناك اتِّصالٌ ولا انفصال، إنَّما هو في نظر العبد ووهمه، فإذا صار من أهل التَّحقيق علم بعد ذلك أنَّه لا انفصال ولا اتِّصال، ويُنشد في هذا المعنى بيتًا مشهورًا لطائفة الاتِّحاديّة:

فما فيك لي شيءٌ لشيءٍ موافقولا منك لي شيءٌ لشيءٍ مخالفُ

قال٣: (الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال٤، وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق، فإنَّ الانفصال والاتِّصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).

الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنَّ ما قبلها انفصالٌ عن سكونه إلى

  1. (١) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٥٥٣).
  2. (٢) المصدر السابق (ص ٥٥٣، ٥٥٤).
  3. (٣) «المنازل» (ص ١٠١) و«شرح التلمساني» (ص ٥٥٤) واللفظ له.
  4. (٤) ر: «الاتصال»، وكذا في مطبوعة «المنازل».
274

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي