بنفسك عن شيءٍ، ولا اتَّصلت بنفسك بشيءٍ، بل الأمر كلُّه بيد غيرك، فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك.
وأمَّا الملحد فيفسِّر كلامه بغير هذا، ويقول١: إذا شهدت الحقيقة أرتك أنَّك ما انفصلت من شيءٍ، ولا اتَّصلت بشيءٍ، فإنَّ تلك اثنينيَّةٌ تنافي الوحدة المطلقة.
فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحيَّة من الاحتمال، وكيف يجرُّها كلُّ أحدٍ إلى نحلته ومذهبه؟ ولهذا يقول الملحد٢: إنَّه ليس هناك اتِّصالٌ ولا انفصال، إنَّما هو في نظر العبد ووهمه، فإذا صار من أهل التَّحقيق علم بعد ذلك أنَّه لا انفصال ولا اتِّصال، ويُنشد في هذا المعنى بيتًا مشهورًا لطائفة الاتِّحاديّة:
فما فيك لي شيءٌ لشيءٍ موافقولا منك لي شيءٌ لشيءٍ مخالفُ
قال٣: (الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال٤، وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق، فإنَّ الانفصال والاتِّصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).
الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنَّ ما قبلها انفصالٌ عن سكونه إلى
(١) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٥٥٣).
(٢) المصدر السابق (ص ٥٥٣، ٥٥٤).
(٣) «المنازل» (ص ١٠١) و«شرح التلمساني» (ص ٥٥٤) واللفظ له.
(٤) ر: «الاتصال»، وكذا في مطبوعة «المنازل».
انفصاله ورؤيته له، وهو في هذه الدرجة انفصالٌ عن رؤية اتِّصاله، فيتجرَّد عن رؤية كونه متَّصلًا، فإنَّ هذه الرُّؤية علَّةٌ في الاتِّصال. بل حالُ١ اتِّصاله: غيبتُه عن رؤية كونه متَّصلًا٢ لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتِّصال. فحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتِّصال جميعًا.
فهاهنا جال المُلحد وصال، وفتح فاه ناطقًا بالإلحاد، وقال٣: هذا يدلُّ على أنَّ الانفصال والاتِّصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر، فلا حقيقة لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف، فأين الاتِّصال والانفصال في العين الواحدة؟ وإنَّما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق.
وقد أعاذ الله الشيخ من أن يُظنَّ به هذا الإلحاد، وإنَّما مراده ما ذكرناه. وقد كشف عن مراده بقوله: (وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق) أي: ينفصل عن شهود مزاحمته لاتِّصاله عينَ ما سبَقَ له في الأزل من الأوَّل الآخر سبحانه، فإنَّه إذا لاحظ السَّبْق وما تقرَّر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء= لم يزاحم شهودُ اتِّصاله لشهود ما سبَقَ به الأزل، بل اضمحلَّ فعلُه وشهودُه ووجودُه في ذلك الوجود الأزليِّ بحيث كأنَّه لم يكن. فإذا نسَبَ فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحلَّ وتلاشى، وصار كالظلِّ والخيال للشخص.
(١) ر: «كمال».
(٢) سقط من ش، ووضع علامة اللحق ولكن ليس في الهامش شيء.