مدارج السالكين

انفصاله ورؤيته له، وهو في هذه الدرجة انفصالٌ عن رؤية اتِّصاله، فيتجرَّد عن رؤية كونه متَّصلًا، فإنَّ هذه الرُّؤية علَّةٌ في الاتِّصال. بل حالُ١ اتِّصاله: غيبتُه عن رؤية كونه متَّصلًا٢ لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتِّصال. فحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتِّصال جميعًا.

فهاهنا جال المُلحد وصال، وفتح فاه ناطقًا بالإلحاد، وقال٣: هذا يدلُّ على أنَّ الانفصال والاتِّصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر، فلا حقيقة لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف، فأين الاتِّصال والانفصال في العين الواحدة؟ وإنَّما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق.

وقد أعاذ الله الشيخ من أن يُظنَّ به هذا الإلحاد، وإنَّما مراده ما ذكرناه. وقد كشف عن مراده بقوله: (وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق) أي: ينفصل عن شهود مزاحمته لاتِّصاله عينَ ما سبَقَ له في الأزل من الأوَّل الآخر سبحانه، فإنَّه إذا لاحظ السَّبْق وما تقرَّر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء= لم يزاحم شهودُ اتِّصاله لشهود ما سبَقَ به الأزل، بل اضمحلَّ فعلُه وشهودُه ووجودُه في ذلك الوجود الأزليِّ بحيث كأنَّه لم يكن. فإذا نسَبَ فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحلَّ وتلاشى، وصار كالظلِّ والخيال للشخص.

  1. (١) ر: «كمال».
  2. (٢) سقط من ش، ووضع علامة اللحق ولكن ليس في الهامش شيء.
  3. (٣) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٥٥٤، ٥٥٥).
275

قوله: (فإنَّ الاتِّصال والانفصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).

معناه: أنَّ معنى اسم الاتِّصال يضادُّ معنى اسم الانفصال كما يضادُّ اسمه اسمه، وهما متساويان في العلَّة، أي: رؤية الاتِّصال علَّةٌ، ورؤية الانفصال علَّةٌ، فتساويا من هذا الوجه، وإن تضادَّا لفظًا ومعنًى، والله أعلم.

276

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي