مدارج السالكين

لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقوله: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا﴾ [النمل: ٤٠]، وقوله: ﴿اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا﴾ [الحديد: ١٧]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، وهذا كثيرٌ.

واختار سبحانه لنفسه اسم «العلم» وما تصرَّف منه، فوصف نفسه بأنَّه عالمٌ، وعليمٌ، وعلَّامٌ، وعَلِم، ويَعلم، وأخبر أنَّ له علمًا، دون لفظ «المعرفة»؛ ومعلومٌ أنَّ الاسم الذي اختاره لنفسه أكملُ نوعِه المشارك له في معناه.

وإنَّما جاء لفظ المعرفة في القرآن في مؤمني أهل الكتاب خاصَّةً، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٨٢ سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].

وهذه الطائفة ترجِّح المعرفة على العلم جدًّا، وكثيرٌ منهم لا يرفع بالعلم رأسًا، ويعدُّه قاطعًا وحجابًا دون المعرفة١. وأهلُ الاستقامة منهم أشدُّ الناس وصيَّةً للمريدين بالعلم، وعندهم أنَّه لا يكون وليٌّ لله كاملُ الولاية من غير أولي العلم أبدًا، فما اتَّخذ الله ولا يتَّخذ وليًّا جاهلًا؛ فالجهل رأس كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ ونقص، والعلمُ أصل كلِّ خيرٍ وهدًى وكمال.

  1. (١) انظر ما سبق (ص ١٨، ١٢٩).
278

فصل

والفرق بين العلم والمعرفة لفظًا ومعنًى١.

أمَّا اللفظ ففعل المعرفة يقع على مفعولٍ واحدٍ، تقول: عرفت الدار، وعرفت زيدًا، قال تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وفعل العلم يقتضي مفعولين، كقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وإذا وقع على مفعولٍ واحدٍ كان بمعنى المعرفة، كقوله: ﴿اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٠].

وأمَّا الفرق المعنويُّ فمن وجوهٍ:

أحدها: أنَّ المعرفة تتعلَّق بذات الشيء، والعلم يتعلَّق بأحواله، فتقول: عرفت أباك، وعلمتُه٢ صالحًا٣. ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة، كقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٩٨]، وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤].

فالمعرفة: حضور صورة الشيء ومثاله العلميِّ في النَّفس، والعلم: حضور أحواله وصفاته ونسبتها إليه. فالمعرفة تشبه «التصوُّر»، والعلم يشبه

  1. (١) وقد بحث المؤلف هذه المسألة في «بدائع الفوائد» (٢/ ٤٨٥ وما بعدها) أيضًا.
  2. (٢) ش، د: «عرفته»، خطأ، ثم صحِّح في هامش ش.
  3. (٣) في ت، ر زيادة: «عالمًا».
279

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي