يقتضي ثبوتَ كلِّ ما يُحمَد عليه من صفات كماله ونعوت جلاله؛ إذ مَن عدِمَ صفاتِ الكمال فليس بمحمودٍ على الإطلاق، وغايتُه أنّه محمودٌ من وجهٍ دون وجهٍ. ولا يكون محمودًا بكلِّ وجهٍ وبكلِّ اعتبارٍ لجميع١ أنواع الحمد إلّا مَن استولى على صفات الكمال جميعها، فلو عدِمَ منها صفةً واحدةً لنقَصَ من حمده بحسبها.
وكذلك في إثبات صفة الرّحمة له ما يتضمَّن إثباتَ الصِّفات التي تلزمها٢ من الحياة والإرادة والقدرة والسّمع والبصر، وغيرها. وكذلك صفة الرُّبوبيّة تستلزم جميعَ صفات الفعل، وصفةُ الإلهيّة تستلزم جميعَ أوصاف الكمال ذاتًا وأفعالًا، كما تقدَّم بيانه٣.
فكونُه محمودًا إلهًا ربًّا رحمانًا رحيمًا ملكًا معبودًا مستعانًا هاديًا منعمًا يرضى ويغضب، مع نفي قيام الصِّفات به= جمعٌ بين النّقيضين، وهو من أمحل المحال.
وهذه الطّريق تتضمَّن إثباتَ الصِّفات الخبريّة من وجهين:
أحدهما: أنّها٤ من لوازم كماله المطلق، فإنَّ استواءه على عرشه من لوازم علوِّه، ونزولَه سبحانه كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدُّنيا في نصف اللّيل الثّاني من
(١) متعلِّق بكلمة "اعتبار". ولم ينقط أوله في الأصل، فيحتمل قراءة "بجميع" كما في ع والنسخ المطبوعة.
(٢) ع: "تستلزمها".
(٣) في (ص ٤٩ وما بعدها).
(٤) ج، ش: "أنه"، وكذا كان في غيرهما ما عدا ع ثم أصلح.
لوازم رحمته وربوبيّته. ورضاه وفرحُه وحبُّه وغضبُه وبغضُه١ وسخطُه من لوازم إرادته ومشيئته وملكه وربوبيَّته. وهكذا سائر الصِّفات الخبريّة.
الوجه الثّاني: أنَّ السَّمع ورد بها ثناءً على الله ومدحًا له، وتعرُّفًا منه إلى عباده بها، فجحدُها وتحريفُها عمَّا دلَّت عليه وأُريدَ بها مناقضٌ لما جاءت له.
فلك أن تستدلَّ بطريق السَّمع على أنّها كمالٌ، وأن تستدلَّ بالعقل كما تقدَّم.
فصل
في تضمُّنها الرَّدَّ على الجبريّة
وذلك من وجوهٍ:
أحدها: من إثبات عموم حمده سبحانه، فإنّه يقتضي أن لا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه، ولا هو من فعلهم؛ بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم. بل هو يعاقبهم على نفس فعلِه بهم، فهو الفاعلُ لقبائحهم في الحقيقة، وهو المعاقِبُ لهم عليها. فحمدُه٢ يأبى ذلك أشدَّ الإباء، وينفيه أعظمَ النَّفي. فتعالى مَن له الحمدُ عن ذلك علوًّا كبيرًا. بل إنّما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقةً، فهي أفعالهم لا أفعاله، وإنّما أفعاله العدل والإحسان والخيرات.
(١) "وغضبه" مكتوب في الأصل فوق "وبغضه". وفي هامش ل مع إشارة اللحق: "خ وبغضه". وكتب بعضهم "وغضبه" في هامش م يريد أنه صواب "وبغضه"، ولم يرد "بغضه" في ع. والكلمتان ساقطتان من ش. والمثبت من ج.