ولهذا كان ضدُّ المعرفة: الإنكار، وضدُّ العلم: الجهل. قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ﴾[النحل: ٨٣]، ويقال: عرف الحقَّ فأقرَّ به، وعرفه فأنكره.
الوجه الثالث من الفروق: أنَّ المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يُوصف به عن غيره. وهذا الفرق غير الأوَّل، فإنَّ ذلك يرجع إلى إدراك الذات وإدراك صفاتها، وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها وتخليص صفاتها من صفات غيرها.
الفرق الرابع: أنَّك إذا قلت: (علمتُ زيدًا) لم يفد المخاطب شيئًا، لأنَّه ينتظر بعدُ أن تخبره على أيِّ حالٍ علمتَه؟ فإذا قلت: كريمًا أو شجاعًا، حصلت له الفائدة. وإذا قلت: (عرفت زيدًا) استفاد المخاطب أنَّك أثبتَّه وميَّزته من غيره، ولم يبق منتظرًا لشيءٍ آخر. وهذا الفرق في التحقيق إيضاح الفرق الذي قبله.
الفرق الخامس ــ وهو فرق العسكريِّ في «فروقه»١ وفرقُ غيره ــ: أنَّ المعرفة علمٌ بعين الشيء مفصَّلًا عمَّا سواه، بخلاف العلم فإنَّه قد يتعلَّق بالشيء مجملًا.
وهذا يشبه فرق صاحب «المنازل»، فإنَّه قال: (المعرفة إحاطةٌ بعين الشيء كما هو). وعلى هذا الحدِّ فلا يُتصوَّر أن يُعرَف الله البتَّة، ويستحيل هذا الباب بالكلِّيَّة، فإنَّ الله سبحانه لا يحاط به علمًا ولا معرفةً ولا رؤيةً، فهو أكبر من ذلك وأعظم وأجلُّ، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
(١) (ص ١١٧) ط. الرسالة.
يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. بل حقيقة هذا الحدِّ: انتفاءُ تعلُّق المعرفة بأكثر المخلوقات حتَّى بأظهرها، وهو الشمس والقمر، بل لا يصحُّ أن يعرف أحدٌ نفسه وذاته البتَّة.
والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن: أنَّ المعرفة عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجَبه ومقتضاه، فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده، بل لا يصفون بالمعرفة إلَّا من كان عالمًا بالله، وبالطريق المُوصِل إليه، وبآفاتها وقواطعها، وله حالٌ مع الله يشهد له بالمعرفة.
فالعارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثمَّ صدق الله في معاملاته، ثمَّ أخلص له في قصوده ونيَّاته، ثمَّ١ انسلخ من أخلاقه الرديَّة وآفاته، ثمَّ تطهَّر مِن أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثمَّ صبر على أحكامه في نِعَمه وبليَّاته، ثمَّ دعا إليه على بصيرةٍ بدينه وآياته، ثمَّ جرَّد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله، ولم يَشُبها بآراء الرِّجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم، ولم يزن بها ما جاء به الرسول عليه من الله أفضل صلواته٢؛ فهذا الذي يستحقُّ اسم العارف على الحقيقة، إذا سمِّي به غيره على الدعوى والاستعارة.
وقد تكلَّموا على «المعرفة» بآثارها وشواهدها، فقال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة منه، فمن ازدادت معرفتُه ازدادت هيبتُه.
وقال أيضًا: المعرفة توجب السُّكون، فمن ازدادت معرفته ازدادت