مدارج السالكين

وقال غيره: من عرف الله اتَّسع عليه كلُّ ضيقٍ١.

ولا تنافي بين هذين الأمرين، فإنَّه يَضيق عليه كلُّ مكانٍ لا يُساعَد فيه على شأنه ومطلوبه، ويتَّسع عليه ما ضاق على غيره لأنَّه ليس فيه، ولا هو مساكنٌ له بقلبه، فقلبه غير محبوسٍ فيه. والأوَّل في بداية المعرفة، والثاني في غايتها التي يصل إليها العبد.

وقال آخر: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلُّ شيءٍ، وذهب عنه خوف٢ المخلوقين، وأَنِس بالله.

وقال غيره: من عرف الله٣ قرَّت عينه بالله، وقرَّت به كلُّ عينٍ، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدُّنيا حسراتٍ.

ومن عرف الله لم يبق له رغبةٌ في سواه، ومن ادَّعى معرفة الله وهو راغبٌ في غيره كذَّبَتْ رغبتُه معرفتَه.

ومن عرف الله أحبَّه على قدر معرفته به، وخافه ورجاه، وتوكَّل عليه، وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجلَّه وعظَّمه على قدر معرفته به.

وعلامة العارف: أن يكون قلبه مرآةً، إذا نظر فيها رأى فيها الغيب الذي دُعي إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يترايا له فيها اللهُ سبحانه،

  1. (١) «القشيرية» (ص ٦٤١) بنحو معناه، وسيأتي لفظه قريبًا.
  2. (٢) في ش، د زيادة: «كل»، ولم ترد في «القشيرية».
  3. (٣) من هنا يبدأ سقط في د لسقوط ورقة من المخطوط.
284

والدار الآخرة، والجنة والنار، والملائكة، والرُّسل، كما قيل١:

إذا سكن الغديرُ على صفاءٍوجُنِّب٢ أن يحرِّكه النسيمُ
بدت فيه السماء بلا امتراءٍكذاك الشمسُ تبدو والنُّجومُ
كذاك قلوب أرباب التّجلِّييرى في صفوها اللهُ العظيمُ

وهذه رؤية المَثَل الأعلى، كما تقدَّم٣.

ومن علامات المعرفة: أن يبدو لك الشاهد، وتفنى الشواهد، وتنحلَّ العلائق، وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي الربِّ تعالى، وتقوم وتضطجع على التأهُّب للقائه، كما يجلس الذي قد شدَّ أحماله وأزمع السفر على التّأهُّب له، ويقوم على ذلك ويضطجع عليه، وكما ينزل المسافر في المنزل٤، فهو جالس وقائم ومضطجع على التأهُّب.

وقيل للجنيد: إنَّ أقوامًا يدَّعون المعرفة، يقولون: إنَّهم يَصِلون بترك الحركات من باب البرِّ والتّقوى؟ فقال الجنيد: هذا قول أقوامٍ تكلَّموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيمٌ، والَّذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، إنّ العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص من أعمال البرِّ ذرَّةً٥.

  1. (١) لم أجدها عند غيره.
  2. (٢) ش: «غُيِّب».
  3. (٣) (ص ١٥٣).
  4. (٤) ش: «منزله»، ت: «المنزلة». ولعل المثبت من ر أولى.
  5. (٥) زِيد في ر: «إلَّا أن يحال بيني وبينها»، وهو تمام قوله في «الحلية» (١٠/ ٢٧٨) و«القشيرية» (ص ١٥٤ - ١٥٥)، ولكن المؤلف هنا صادر عن «باب المعرفة» من «القشيرية» (ص ٦٤٢) وليس فيه هذه الزيادة.
285

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي