مدارج السالكين

والدار الآخرة، والجنة والنار، والملائكة، والرُّسل، كما قيل١:

إذا سكن الغديرُ على صفاءٍوجُنِّب٢ أن يحرِّكه النسيمُ
بدت فيه السماء بلا امتراءٍكذاك الشمسُ تبدو والنُّجومُ
كذاك قلوب أرباب التّجلِّييرى في صفوها اللهُ العظيمُ

وهذه رؤية المَثَل الأعلى، كما تقدَّم٣.

ومن علامات المعرفة: أن يبدو لك الشاهد، وتفنى الشواهد، وتنحلَّ العلائق، وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي الربِّ تعالى، وتقوم وتضطجع على التأهُّب للقائه، كما يجلس الذي قد شدَّ أحماله وأزمع السفر على التّأهُّب له، ويقوم على ذلك ويضطجع عليه، وكما ينزل المسافر في المنزل٤، فهو جالس وقائم ومضطجع على التأهُّب.

وقيل للجنيد: إنَّ أقوامًا يدَّعون المعرفة، يقولون: إنَّهم يَصِلون بترك الحركات من باب البرِّ والتّقوى؟ فقال الجنيد: هذا قول أقوامٍ تكلَّموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيمٌ، والَّذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، إنّ العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص من أعمال البرِّ ذرَّةً٥.

  1. (١) لم أجدها عند غيره.
  2. (٢) ش: «غُيِّب».
  3. (٣) (ص ١٥٣).
  4. (٤) ش: «منزله»، ت: «المنزلة». ولعل المثبت من ر أولى.
  5. (٥) زِيد في ر: «إلَّا أن يحال بيني وبينها»، وهو تمام قوله في «الحلية» (١٠/ ٢٧٨) و«القشيرية» (ص ١٥٤ - ١٥٥)، ولكن المؤلف هنا صادر عن «باب المعرفة» من «القشيرية» (ص ٦٤٢) وليس فيه هذه الزيادة.
285

ومن علامات العارف: أنَّه لا يطالب ولا يخاصم، ولا يعاتب، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا.

ومن علاماته: أنَّه لا يأسف على فائتٍ، ولا يفرح بآتٍ؛ لأنَّه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال، لأنَّها في الحقيقة كالظِّلال والخيال.

وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤها البَرُّ والفاجر، وكالسحاب يُظلُّ كلَّ شيءٍ، وكالمطر يَسقي ما يحبُّ وما لا يحبُّ١.

وقال يحيى بن معاذٍ: يخرج العارف من الدُّنيا ولم يَقضِ وطرَه من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربِّه٢. وهذا من أحسن الكلام، فإنَّه يدلُّ على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته، وعلى معرفته بربِّه وكماله وجلاله، فهو شديد الإزراء على نفسه، لَهِجٌ بالثناء على ربِّه.

وقال أبو يزيد: إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له٣. يريد تضييعَ حظوظهم، والوقوفَ مع حقوق الله ﷾، فتُفنيهم حقوقُه عن حظوظهم.

وقال آخر: لا يكون العارف عارفًا حتَّى لو أعطي ملك سليمان لم يَشْغَله عن الله طرفة عينٍ٤. وهذا يحتاج إلى شرحٍ، فإنَّ ما هو دون ذلك يَشْغَل

  1. (١) «القشيرية» (ص ٦٤٣).
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٦٤٣).
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٦٤٣)، وقد أسنده السلمي في «طبقاته» (ص ٧١).
  4. (٤) أسنده القشيري (ص ٦٤٣) عن يوسف بن علي، ولم أتبيَّن من هو.
286

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي