القلب، لكن يكون اشتغاله بغير الله لله، فذلك اشتغالٌ به سبحانه، لأنَّه إذا اشتغل بغيره لأجله لم يشتغل عنه.
وقال ابن عطاءٍ: المعرفة على ثلاثة أركانٍ: الهيبة والحياء والأنس١.
وقيل لذي النُّون: بم عرفت ربَّك؟ فقال: عرفت ربِّي بربِّي، ولولا ربِّي لما عرفت ربِّي٢.
وقيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: بأنَّه فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه٣. فأتى عبد الله بأصل المعرفة التي لا يصحُّ لأحدٍ معرفةٌ ولا إقرارٌ بالله سبحانه إلَّا به، وهو المباينة والعلوُّ على العرش.
ومن علامات العارف٤: أن يعتزل الخلق بينه وبين الله، حتَّى كأنَّهم أمواتٌ لا يملكون له ضَرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ ويعتزلَ نفسه بينه وبين الخلق، حتى يكون بينهم بلا نفسٍ. وهذا معنى قول من قال: العارف يقطع الطريق بخطوتين: خطوة عن نفسه، وخطوة عن الخلق.
وقيل: العارف ابن وقته٥. وهذا من أحسن الكلام وأخصره، فهو مشغولٌ بوظيفة وقته عمَّا مضى وصار في العدم، وعمَّا لم يدخل بعدُ في
(٣) أسنده عثمان الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٤٧، ٩٨) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (٢٢) وابن المقرئ في «معجمه» (٢٩١) وغيرهم بإسناد صحيح.
(٤) هنا انتهى السقط في د، الذي بدأ (ص ٢٨٤).
(٥) «القشيرية» (ص ٢٣٢).
الوجود، فهمُّه عمارة وقته الذي هو مادَّة حياته الباقية.
ومن علاماته: أنَّه مستأنسٌ بربِّه، مستوحشٌ ممَّن يقطعه عنه. ولهذا قيل: العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلَّ لله فأعزَّه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأحوجهم إليه١.
وقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول٢. يعني أنَّ العالم علمُه أوسع من حاله وصفته، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره.
وقال أبو سليمان الدارانيُّ: إنَّ الله تعالى يفتح للعارف٣ على فراشه ما لا يفتح له وهو قائمٌ يصلِّي٤. وقال غيره: العارف تنطق المعرفة على قلبه٥ وحاله وهو ساكتٌ٦.
وقال ذو النُّون: لكلِّ شيءٍ عقوبةٌ، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله٧.
وقال بعضهم: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين٨. وهذا
(١) ذكر القشيري (ص ٦٤٤) بعضَه بلا نسبة.
(٢) أسنده أبو نُعيم في «الحلية» (١٠/ ٣٩) عن أبي يزيد البُسطامي. وهو في «القشيرية» (ص ٦٤٤) بلا نسبة.
(٣) في د زيادة: «وهو».
(٤) «القشيرية» (ص ٦٤٤).
(٥) ت: «لسانه».
(٦) ذكر القشيري (ص ٦٤٤) نحو معناه عن الجنيد.
(٧) «القشيرية» (ص ٦٤٤)، وقد أسنده أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٥٥).
(٨) أسنده أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٩٧) والقشيري (٦٤٤) عن رُويم.