مدارج السالكين

الوجود، فهمُّه عمارة وقته الذي هو مادَّة حياته الباقية.

ومن علاماته: أنَّه مستأنسٌ بربِّه، مستوحشٌ ممَّن يقطعه عنه. ولهذا قيل: العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلَّ لله فأعزَّه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأحوجهم إليه١.

وقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول٢. يعني أنَّ العالم علمُه أوسع من حاله وصفته، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره.

وقال أبو سليمان الدارانيُّ: إنَّ الله تعالى يفتح للعارف٣ على فراشه ما لا يفتح له وهو قائمٌ يصلِّي٤. وقال غيره: العارف تنطق المعرفة على قلبه٥ وحاله وهو ساكتٌ٦.

وقال ذو النُّون: لكلِّ شيءٍ عقوبةٌ، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله٧.

وقال بعضهم: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين٨. وهذا

  1. (١) ذكر القشيري (ص ٦٤٤) بعضَه بلا نسبة.
  2. (٢) أسنده أبو نُعيم في «الحلية» (١٠/ ٣٩) عن أبي يزيد البُسطامي. وهو في «القشيرية» (ص ٦٤٤) بلا نسبة.
  3. (٣) في د زيادة: «وهو».
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٦٤٤).
  5. (٥) ت: «لسانه».
  6. (٦) ذكر القشيري (ص ٦٤٤) نحو معناه عن الجنيد.
  7. (٧) «القشيرية» (ص ٦٤٤)، وقد أسنده أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٥٥).
  8. (٨) أسنده أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٩٧) والقشيري (٦٤٤) عن رُويم.
288

كلامٌ ظاهره منكرٌ جدًّا، ويحتاج إلى شرحٍ: فالعارف لا يرائي المخلوق طلبًا للمنزلة في قلبه١، وإنَّما يكون رياؤه نصيحةً وإرشادًا وتعليمًا ليقتدى به، فهو يدعو إلى الله بعمله كما يدعو إليه بقوله، فهو ينتفع بعمله وينفع٢ به غيرَه، وإخلاص المريد مقصورٌ على نفسه؛ فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله، فإخلاصه في قلبه، وهو يُظهِر عمله وحاله ليقتدى به. والعارف ينفع بسكوته، والعالم إنَّما ينفع بكلامه.

ولو سكتوا أَثْنَتْ عليك الحقائبُ٣

وقال ذو النُّون: الزُّهّاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين٤.

وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: لون الماء لون إنائه٥. وهذه كلمةٌ رمز بها إلى حقيقة العبوديَّة، وهو أنه يتلوَّن بتلوُّن أقسام العبوديَّة، فبينا تراه مصلِّيًا إذ رأيته ذاكرًا، وقارئًا٦، ومعلِّمًا، ومتعلِّمًا، ومجاهدًا، وحاجًّا،

  1. (١) ش، د: «قلبهم».
  2. (٢) ت: «ينتفع».
  3. (٣) عجز بيت من ثلاثة أبيات لنُصَيب بن رَباح يمدح فيها سليمان بن عبد الملك، وصدره:
    فعاجُوا فأثنَوا بالذي أنتَ أهلُه
    انظر: «البيان والتبيُّن» (١/ ٨٣)، «الكامل» (١/ ٢٣٨) و«أمالي القالي» (١/ ٩٤).
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٦٤٤).
  5. (٥) ذكره عن الجنيد الكلاباذيُّ في «التعرُّف» (ص ١٠٦) والقشيري (ص ٦٤٤). ونسبه الطوسي في «اللمع» (ص ٣٦) إلى أبي يزيد.
  6. (٦) ر: «أو قارئًا»، وكذا المعطوفات الآتية.
289

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي