مدارج السالكين

كلامٌ ظاهره منكرٌ جدًّا، ويحتاج إلى شرحٍ: فالعارف لا يرائي المخلوق طلبًا للمنزلة في قلبه١، وإنَّما يكون رياؤه نصيحةً وإرشادًا وتعليمًا ليقتدى به، فهو يدعو إلى الله بعمله كما يدعو إليه بقوله، فهو ينتفع بعمله وينفع٢ به غيرَه، وإخلاص المريد مقصورٌ على نفسه؛ فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله، فإخلاصه في قلبه، وهو يُظهِر عمله وحاله ليقتدى به. والعارف ينفع بسكوته، والعالم إنَّما ينفع بكلامه.

ولو سكتوا أَثْنَتْ عليك الحقائبُ٣

وقال ذو النُّون: الزُّهّاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين٤.

وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: لون الماء لون إنائه٥. وهذه كلمةٌ رمز بها إلى حقيقة العبوديَّة، وهو أنه يتلوَّن بتلوُّن أقسام العبوديَّة، فبينا تراه مصلِّيًا إذ رأيته ذاكرًا، وقارئًا٦، ومعلِّمًا، ومتعلِّمًا، ومجاهدًا، وحاجًّا،

  1. (١) ش، د: «قلبهم».
  2. (٢) ت: «ينتفع».
  3. (٣) عجز بيت من ثلاثة أبيات لنُصَيب بن رَباح يمدح فيها سليمان بن عبد الملك، وصدره:
    فعاجُوا فأثنَوا بالذي أنتَ أهلُه
    انظر: «البيان والتبيُّن» (١/ ٨٣)، «الكامل» (١/ ٢٣٨) و«أمالي القالي» (١/ ٩٤).
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٦٤٤).
  5. (٥) ذكره عن الجنيد الكلاباذيُّ في «التعرُّف» (ص ١٠٦) والقشيري (ص ٦٤٤). ونسبه الطوسي في «اللمع» (ص ٣٦) إلى أبي يزيد.
  6. (٦) ر: «أو قارئًا»، وكذا المعطوفات الآتية.
289

ومساعدًا للضعيف، ومغيثًا١ للملهوف؛ فيضرب في كلِّ غنيمةٍ من الغنائم بسهمٍ، فهو مع المتسبِّبين متسبِّب، ومع المتعلِّمين متعلِّم، ومع الغزاة غازٍ، ومع المصلِّين مصلٍّ، ومع المتصدِّقين متصدِّق؛ فهو يتنقَّل في منازل العبوديَّة من عبوديَّة إلى عبوديَّة، وهو مقيمٌ على معبودٍ واحدٍ لا ينتقل عنه إلى غيره.

وقال يحيى بن معاذٍ: العارف كائنٌ بائنٌ٢. وهذا يُفسَّر على وجوهٍ:

منها: أنَّه كائنٌ مع الخلق بظاهره، بائنٌ عنهم بسرِّه وقلبه.

ومنها: أنَّه كائنٌ بربِّه بائنٌ عن نفسه.

ومنها: أنَّه كائنٌ مع أبناء الآخرة، بائنٌ عن أبناء الدُّنيا.

ومنها: أنَّه كائنٌ مع الله بموافقته، بائنٌ عن الناس في مخالفته.

ومنها: أنَّه داخلٌ في الأشياء خارجٌ منها؛ فإنَّ مِن الناس مَن هو داخلٌ فيها لا يقدر على الخروج منها، ومنهم من هو خارجٌ عنها لا يقدر على الدُّخول فيها، والعارف داخلٌ فيها خارجٌ منها. ولعلَّ هذا أحسن الوجوه.

وقال ذو النُّون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقض عليه ظاهرًا من الحُكم، ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله٣.

وهذا من أحسن ما قيل في المعرفة، وهو محتاجٌ إلى شرح، فإنَّ كثيرًا من

  1. (١) ش، د: «معينًا».
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٦٤٦).
  3. (٣) «اللمع» (ص ٣٩) و«القشيرية» (ص ٦٤٦).
290

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي