مدارج السالكين

لوازم رحمته وربوبيّته. ورضاه وفرحُه وحبُّه وغضبُه وبغضُه١ وسخطُه من لوازم إرادته ومشيئته وملكه وربوبيَّته. وهكذا سائر الصِّفات الخبريّة.

الوجه الثّاني: أنَّ السَّمع ورد بها ثناءً على الله ومدحًا له، وتعرُّفًا منه إلى عباده بها، فجحدُها وتحريفُها عمَّا دلَّت عليه وأُريدَ بها مناقضٌ لما جاءت له.

فلك أن تستدلَّ بطريق السَّمع على أنّها كمالٌ، وأن تستدلَّ بالعقل كما تقدَّم.

فصل

في تضمُّنها الرَّدَّ على الجبريّة

وذلك من وجوهٍ:

أحدها: من إثبات عموم حمده سبحانه، فإنّه يقتضي أن لا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه، ولا هو من فعلهم؛ بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم. بل هو يعاقبهم على نفس فعلِه بهم، فهو الفاعلُ لقبائحهم في الحقيقة، وهو المعاقِبُ لهم عليها. فحمدُه٢ يأبى ذلك أشدَّ الإباء، وينفيه أعظمَ النَّفي. فتعالى مَن له الحمدُ عن ذلك علوًّا كبيرًا. بل إنّما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقةً، فهي أفعالهم لا أفعاله، وإنّما أفعاله العدل والإحسان والخيرات.

  1. (١) "وغضبه" مكتوب في الأصل فوق "وبغضه". وفي هامش ل مع إشارة اللحق: "خ وبغضه". وكتب بعضهم "وغضبه" في هامش م يريد أنه صواب "وبغضه"، ولم يرد "بغضه" في ع. والكلمتان ساقطتان من ش. والمثبت من ج.
  2. (٢) في ع بعده زيادة: "عليها".
103

الثّاني١: إثبات رحمته ورحمانيَّته ينفي ذلك، إذ لا يمكن اجتماع هذين الأمرين قطُّ: أن يكون رحمانًا رحيمًا ويعاقبَ العبد على ما لا قدرة له عليه ولا هو من فِعله، بل يكلِّفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرةٌ البتّة، ثمّ يعاقبه عليه. وهل هذا إلّا ضدُّ الرّحمة ونقضٌ لها وإبطالٌ؟ وهل يصحُّ في معقول أحدٍ اجتماعُ ذلك والرَّحمةِ التّامّةِ الكاملةِ في ذاتٍ واحدةٍ؟

الثّالث٢: إثباتُ العبادةِ والاستعانةِ لهم ونسبتُها إليهم بقولهم: "نعبد، ونستعين"، وهي نسبةٌ حقيقيّةٌ لا مجازيّةٌ. واللهُ لا يصحُّ وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده، بل العبد حقيقةً هو العابد المستعين، واللهُ المعبودُ المستعانُ.

فصل

في بيانِ تضمُّنها للرّدِّ على القائلين بالمُوجِب بالذّات بدون الاختيار والمشيئة، وبيانِ أنّه فاعلٌ مختارٌ

وذلك من وجوهٍ:

أحدها: من إثبات حمده، إذ كيف يُحمَد على ما ليس مختارًا لوجوده ولا هو بمشيئته وفعله؟ وهل يصحُّ حمدُ الماء على آثاره وموجَباته، أو النّار والحديد وغيرها في عقلٍ أو فطرةٍ؟ وإنّما يُحمَد الفاعلُ المختارُ بقدرته ومشيئته على أفعاله الحميدة. هذا الذي ليس في العقول والفِطَر سواه، فخلافُه خارجٌ عن الفطرة والعقل. وهو لا ينكر خروجَه عن الشّرائع

  1. (١) ع: "الوجه الثاني".
  2. (٢) ع: "الوجه الثالث".
104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي