مدارج السالكين

ومساعدًا للضعيف، ومغيثًا١ للملهوف؛ فيضرب في كلِّ غنيمةٍ من الغنائم بسهمٍ، فهو مع المتسبِّبين متسبِّب، ومع المتعلِّمين متعلِّم، ومع الغزاة غازٍ، ومع المصلِّين مصلٍّ، ومع المتصدِّقين متصدِّق؛ فهو يتنقَّل في منازل العبوديَّة من عبوديَّة إلى عبوديَّة، وهو مقيمٌ على معبودٍ واحدٍ لا ينتقل عنه إلى غيره.

وقال يحيى بن معاذٍ: العارف كائنٌ بائنٌ٢. وهذا يُفسَّر على وجوهٍ:

منها: أنَّه كائنٌ مع الخلق بظاهره، بائنٌ عنهم بسرِّه وقلبه.

ومنها: أنَّه كائنٌ بربِّه بائنٌ عن نفسه.

ومنها: أنَّه كائنٌ مع أبناء الآخرة، بائنٌ عن أبناء الدُّنيا.

ومنها: أنَّه كائنٌ مع الله بموافقته، بائنٌ عن الناس في مخالفته.

ومنها: أنَّه داخلٌ في الأشياء خارجٌ منها؛ فإنَّ مِن الناس مَن هو داخلٌ فيها لا يقدر على الخروج منها، ومنهم من هو خارجٌ عنها لا يقدر على الدُّخول فيها، والعارف داخلٌ فيها خارجٌ منها. ولعلَّ هذا أحسن الوجوه.

وقال ذو النُّون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقض عليه ظاهرًا من الحُكم، ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله٣.

وهذا من أحسن ما قيل في المعرفة، وهو محتاجٌ إلى شرح، فإنَّ كثيرًا من

  1. (١) ش، د: «معينًا».
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٦٤٦).
  3. (٣) «اللمع» (ص ٣٩) و«القشيرية» (ص ٦٤٦).
290

الناس يرى أنَّ التورُّع عن الأشياء من قلَّة المعرفة، فإنَّ المعرفة متَّسعة الأكناف، واسعة الأرجاء، فالعارف واسعٌ موسَّعٌ، والسَّعة تطفئ نورَ الورع، فالعارفُ لا تنقض معرفتُه ورعَه، ولا يخالف ورعُه معرفتَه، كما قال بعضهم١: العارف لا ينكر منكرًا لاستبصاره بسرِّ الله في القدر، فعنده: أن مشاهدة القدر والحقيقةِ الكونيَّة هو غايةُ المعرفة، وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة لأنَّهم مأسورون في قبضة القدر، فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم، بل أربابَ الكفر، فهو أبعد خلق الله من الورع، بل ظلمة معرفته٢ هذه قد أطفأ٣ نورَ إيمانه.

وأما «باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم»، فإنَّه يشير به إلى ما عليه المنحرفون ممَّن ينتسب٤ إلى السُّلوك، فإنَّهم تقع لهم أذواقٌ ومواجيد ووارداتٌ تخالف الحكمَ الشرعيَّ، وتكون تلك معلومةً لهم لا يمكنهم جحدها، فيعتقدونها ويتركون ظاهر الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا، وهو الذي نعاه أئمَّة الطريق على هؤلاء، وصاحوا بهم من كلِّ ناحيةٍ، وبدَّعوهم وضلَّلوهم به.

وقوله: «ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله»، كثرة النِّعم تطغي العبد، وتحمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها، وهي تدعو إلى أن يتناول بها ما يحلُّ وما لا يحلُّ. وأكثر المنعَم عليهم لا يقتصر في

  1. (١) من كلام ابن سينا، وقد تقدَّم (٣/ ٥٣٧).
  2. (٢) ر: «ظلام معرفته»، وسقطت «هذه».
  3. (٣) كذا في النسخ دون تاء التأنيث.
  4. (٤) ت، ر: «ينسب».
291

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي