مدارج السالكين

الناس يرى أنَّ التورُّع عن الأشياء من قلَّة المعرفة، فإنَّ المعرفة متَّسعة الأكناف، واسعة الأرجاء، فالعارف واسعٌ موسَّعٌ، والسَّعة تطفئ نورَ الورع، فالعارفُ لا تنقض معرفتُه ورعَه، ولا يخالف ورعُه معرفتَه، كما قال بعضهم١: العارف لا ينكر منكرًا لاستبصاره بسرِّ الله في القدر، فعنده: أن مشاهدة القدر والحقيقةِ الكونيَّة هو غايةُ المعرفة، وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة لأنَّهم مأسورون في قبضة القدر، فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم، بل أربابَ الكفر، فهو أبعد خلق الله من الورع، بل ظلمة معرفته٢ هذه قد أطفأ٣ نورَ إيمانه.

وأما «باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم»، فإنَّه يشير به إلى ما عليه المنحرفون ممَّن ينتسب٤ إلى السُّلوك، فإنَّهم تقع لهم أذواقٌ ومواجيد ووارداتٌ تخالف الحكمَ الشرعيَّ، وتكون تلك معلومةً لهم لا يمكنهم جحدها، فيعتقدونها ويتركون ظاهر الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا، وهو الذي نعاه أئمَّة الطريق على هؤلاء، وصاحوا بهم من كلِّ ناحيةٍ، وبدَّعوهم وضلَّلوهم به.

وقوله: «ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله»، كثرة النِّعم تطغي العبد، وتحمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها، وهي تدعو إلى أن يتناول بها ما يحلُّ وما لا يحلُّ. وأكثر المنعَم عليهم لا يقتصر في

  1. (١) من كلام ابن سينا، وقد تقدَّم (٣/ ٥٣٧).
  2. (٢) ر: «ظلام معرفته»، وسقطت «هذه».
  3. (٣) كذا في النسخ دون تاء التأنيث.
  4. (٤) ت، ر: «ينسب».
291

صرف النِّعمة على القدر الحلال، بل يتعدَّاه إلى غيره، وتُسوِّل له نفسه أنَّ معرفته بالله تردُّ عليه ما انتهبَتْه١ منه أيدي الشهوات والمخالفات، ويقول: العارف لا تضرُّه الذُّنوب كما تضرُّ الجاهل، وربَّما تسوِّل له أنَّ ذنوبه خيرٌ من طاعات الجهَّال! وهذا من أعظم المكر، والأمرُ بضدِّ ذلك، فيُحتَمَل من الجاهل ما لا يُحتَمَل من العارف، وإذا عوقب الجاهل ضِعفًا عوقب العارف ضعفين. وقد دلَّ على هذا شرع الله وقدره، ولهذا كانت عقوبة الحرِّ في الحدود مثلَي عقوبة العبد، وقال تعالى في نساء النبيِّ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. فإذا كَمُلت النِّعمةُ على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان، كانت عقوبته أعظمَ؛ فدرجتُه أعلى وعقوبته أشدُّ.

وقال أيضًا٢: ليس بعارفٍ من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف عند أبناء الدُّنيا؟ يريد: أنَّه ليس من المعرفة وصفُ المعرفة لغير أهلها، سواءٌ كانوا عبَّادًا أو من أبناء الدُّنيا.

وقال أبو سعيدٍ٣: المعرفة تأتي من عين الوجد٤، وبذل المجهود.

  1. (١) غير محرَّر في ت، وفي هامشها: «أخذت منه».
  2. (٢) ورد هذا القول في «القشيرية» (ص ٦٤٦) بعد قول ذي النون السابق مباشرة ولكن مصدَّرًا بـ «وقيل»، وفي «اللمع» (ص ٤٠): «قال بعضهم». ولعل «وقيل» تصحَّف إلى «وقال» في النسخة التي اعتمد عليها المؤلف.
  3. (٣) الخرَّاز، وقوله في «اللمع» (ص ٣٥) و«القشيرية» (ص ٦٤٦). وأسنده عنه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٤٧).
  4. (٤) كذا، وعليه فسَّره المؤلف. والذي في المصادر: «الجود».
292

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي