مدارج السالكين

أحدها: أنَّ النعت يكون بالأفعال التي تتجدَّد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا١... وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠]، ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: ١١]، ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]، ونظائر ذلك.

والصِّفة هي الأمور الثابتة اللازمة للذات، كقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، ونظائر ذلك.

الفرق الثاني: أنَّ الصِّفاتِ الذاتيَّةَ لا يُطلَق عليها اسم النُّعوت، كالوجه واليدين والقدم والأصبع، وتسمَّى صفاتٍ، وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم، وكذلك متكلِّمو أهل الإثبات، سمَّوها صفاتًا٢.

وأنكر بعضهم هذه التسمية، كأبي الوفاء بن عقيلٍ وغيره، وقال: لا ينبغي أن يقال: نصوص الصِّفات، بل آيات الإضافات، لأنَّ الحيَّ لا يوصف بيده ولا بوجهه، فإنَّ ذلك هو الموصوف، فكيف يُسمَّى صفةً؟ وأيضًا: فالصِّفة معنًى يعمُّ الموصوف، فلا يكون الوجه واليد صفةً.

  1. (١) ر: ﴿مَهْدًا﴾، وهما قراءتان. وأثبتنا قراءة أبي عمرو.
  2. (٢) كذا في النسخ، والصواب: «صفاتٍ».
295

والتحقيق: أنَّ هذا نزاعٌ لفظيٌّ في تسميةٍ، فالمقصود: إطلاق هذه المضافات١ عليه سبحانه، ونسبتُها إليه، والإخبارُ عنه بها، منزَّهةً عن التمثيل والتعطيل، سواءٌ سمِّيت صفاتٍ أو لم تسمَّ٢.

الفرق الثالث: أنَّ النُّعوت ما يظهر من الصِّفات ويشتهر ويعرفه الخاصُّ والعامُّ، والصِّفات أعمُّ، فالفرق بين النعت والصِّفة فرقُ ما بين الخاصِّ والعامِّ. منه٣ قولهم في تحلية الشيء: نعته كذا وكذا، لِما يظهر من صفاته.

وقيل: هما لغتان، لا فرق بينهما. ولهذا يقول نحاة البصرة: باب الصِّفة، ويقول نحاة الكوفة: باب النعت، والمراد واحد.

والأمر قريبٌ، ونحن في غير هذا، فلنرجع إلى المقصود، وهو أنَّه لا يستقرُّ للعبد قدمٌ في المعرفة ــ بل ولا في الإيمان ــ حتَّى يؤمن بصفات الربِّ ﷻ، ويعرفَها معرفةً تخرجه عن حدِّ الجهل بربِّه، فالإيمان بالصِّفات ومعرفتُها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان. فمن جحد الصِّفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان والإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.

وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته مسيءَ الظنِّ به، وتوعَّده بما لم يتوعَّد

  1. (١) ر: «الإضافات».
  2. (٢) الذي يظهر من كلام شيخ الإسلام أن نزاع ابن عقيلٍ لم يكن لفظيًّا، بل كان ينحو منحى من أخذ عنهم من المعتزلة في تأويل الصفات الخبرية. انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٩٧، ١٧/ ١٥٠) و«درء التعارض» (٧/ ٢٦٣، ٨/ ٦٠، ٩/ ١٦٠، ٣٩٥).
  3. (٣) ت، ر: «ومنه».
296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي