مدارج السالكين

والتحقيق: أنَّ هذا نزاعٌ لفظيٌّ في تسميةٍ، فالمقصود: إطلاق هذه المضافات١ عليه سبحانه، ونسبتُها إليه، والإخبارُ عنه بها، منزَّهةً عن التمثيل والتعطيل، سواءٌ سمِّيت صفاتٍ أو لم تسمَّ٢.

الفرق الثالث: أنَّ النُّعوت ما يظهر من الصِّفات ويشتهر ويعرفه الخاصُّ والعامُّ، والصِّفات أعمُّ، فالفرق بين النعت والصِّفة فرقُ ما بين الخاصِّ والعامِّ. منه٣ قولهم في تحلية الشيء: نعته كذا وكذا، لِما يظهر من صفاته.

وقيل: هما لغتان، لا فرق بينهما. ولهذا يقول نحاة البصرة: باب الصِّفة، ويقول نحاة الكوفة: باب النعت، والمراد واحد.

والأمر قريبٌ، ونحن في غير هذا، فلنرجع إلى المقصود، وهو أنَّه لا يستقرُّ للعبد قدمٌ في المعرفة ــ بل ولا في الإيمان ــ حتَّى يؤمن بصفات الربِّ ﷻ، ويعرفَها معرفةً تخرجه عن حدِّ الجهل بربِّه، فالإيمان بالصِّفات ومعرفتُها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان. فمن جحد الصِّفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان والإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.

وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته مسيءَ الظنِّ به، وتوعَّده بما لم يتوعَّد

  1. (١) ر: «الإضافات».
  2. (٢) الذي يظهر من كلام شيخ الإسلام أن نزاع ابن عقيلٍ لم يكن لفظيًّا، بل كان ينحو منحى من أخذ عنهم من المعتزلة في تأويل الصفات الخبرية. انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٩٧، ١٧/ ١٥٠) و«درء التعارض» (٧/ ٢٦٣، ٨/ ٦٠، ٩/ ١٦٠، ٣٩٥).
  3. (٣) ت، ر: «ومنه».
296

به غيره من أهل الشِّرك والكبائر، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ٢٢ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣﴾ [فصلت: ٢٢ - ٢٣]، فأخبر سبحانه: أنَّ إنكارهم هذه الصِّفة من صفاته من سوء ظنِّهم به، وأنَّه هو الذي أهلكهم. وقد قال في الظانِّين به١ ظنَّ السَّوء: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]. ولم يجئ مثل هذا الوعيد في غير من ظنَّ السَّوء به سبحانه، وجحدُ صفاته وإنكارُ حقائق أسمائه من أعظم ظنِّ السَّوء به.

ولمَّا كان أحبُّ الأشياء إليه حمدَه ومدحَه والثناءَ عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله= كان إنكارُها وجحدُها أعظمَ الإلحاد والكفر به. وهو شرٌّ من الشِّرك، فالمعطِّل شرٌّ من المشرك، فإنَّه لا يستوي إنكارُ٢ صفات المَلِك وحقيقةِ مُلكه والطعنُ في أوصافه هو، والتشريك بينه وبين غيره في الملك، فالمعطِّلون أعداءُ الرُّسل بالذات.

بل كلُّ شركٍ في العالم فأصله التعطيل، فإنَّه لولا تعطيلُ كماله أو بعضِه وظنُّ السَّوء به لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهلِ التوحيد لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧]، أي فما ظنُّكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتَّى٣

  1. (١) ش، د: «بالله».
  2. (٢) ر: «جحد».
  3. (٣) ت: «حين».
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي