مدارج السالكين

الثّاني١: إثبات رحمته ورحمانيَّته ينفي ذلك، إذ لا يمكن اجتماع هذين الأمرين قطُّ: أن يكون رحمانًا رحيمًا ويعاقبَ العبد على ما لا قدرة له عليه ولا هو من فِعله، بل يكلِّفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرةٌ البتّة، ثمّ يعاقبه عليه. وهل هذا إلّا ضدُّ الرّحمة ونقضٌ لها وإبطالٌ؟ وهل يصحُّ في معقول أحدٍ اجتماعُ ذلك والرَّحمةِ التّامّةِ الكاملةِ في ذاتٍ واحدةٍ؟

الثّالث٢: إثباتُ العبادةِ والاستعانةِ لهم ونسبتُها إليهم بقولهم: "نعبد، ونستعين"، وهي نسبةٌ حقيقيّةٌ لا مجازيّةٌ. واللهُ لا يصحُّ وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده، بل العبد حقيقةً هو العابد المستعين، واللهُ المعبودُ المستعانُ.

فصل

في بيانِ تضمُّنها للرّدِّ على القائلين بالمُوجِب بالذّات بدون الاختيار والمشيئة، وبيانِ أنّه فاعلٌ مختارٌ

وذلك من وجوهٍ:

أحدها: من إثبات حمده، إذ كيف يُحمَد على ما ليس مختارًا لوجوده ولا هو بمشيئته وفعله؟ وهل يصحُّ حمدُ الماء على آثاره وموجَباته، أو النّار والحديد وغيرها في عقلٍ أو فطرةٍ؟ وإنّما يُحمَد الفاعلُ المختارُ بقدرته ومشيئته على أفعاله الحميدة. هذا الذي ليس في العقول والفِطَر سواه، فخلافُه خارجٌ عن الفطرة والعقل. وهو لا ينكر خروجَه عن الشّرائع

  1. (١) ع: "الوجه الثاني".
  2. (٢) ع: "الوجه الثالث".
104

والنُّبوّات، بل يتبجَّح بذلك ويعُدُّه فخرًا.

الثّاني: إثباتُ ربوبيّته تعالى يقتضي فعلَه بمشيئته واختياره وتدبيره وقدرته. وليس يصحُّ في عقلٍ ولا فطرةٍ ربوبيّةُ الشَّمس لضوئها، والماءِ لتبريده وللنّبات١ الحاصل به، ولا ربوبيّةُ شيءٍ أبدًا لما لا قدرة له عليه البتّة. وهل هذا إلّا تصريحٌ بجحد الرُّبوبيّة؟ فالقوم كنَوا للأغمار، وصرَّحوا لأولي الأفهام!

الثّالث: إثبات ملكه. وحصولُ ملكٍ لمن لا اختيار له ولا فعل ولا مشيئة غيرُ معقولٍ، بل كلُّ مملوكٍ له مشيئةٌ واختيارٌ وفعلٌ أتمُّ من هذا الملك وأكمل. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧].

الرّابع: من كونه مستعانًا، فإنَّ الاستعانةَ بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا قدرة محالٌ.

الخامس: من كونه مسؤولًا أن يهدي عبادَه، فسؤالُ من لا اختيار له محالٌ٢. وكذلك كونُه منعمًا.

فصل

في بيانِ تضمُّنِها للرّدِّ على منكري تعلُّقِ علمِه تعالى بالجزئيّات

وذلك من وجوهٍ:

أحدها: كمالُ حمده، إذ كيف يستحقُّ الحمدَ من لا يعلم شيئًا من العالم

  1. (١) ج، ش: "والنبات"، وكذا غيِّر في ل، م.
  2. (٢) العبارة: "الخامس ... محال" ساقطة من ع لانتقال النظر.
105

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي