مدارج السالكين

ذلك: حوادث؛ وسمَّوا وجهه الأعلى، ويديه المبسوطتين، وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة: جوارح وأعضاءً؛ مكرًا منهم كُبَّارًا بالناس، كمن يريد التنفير عن العسل، فيمكر في العبارة ويقول: مائعٌ أصفر يشبه العذرة المائعة، أو ينفِّر عن شيءٍ مستحسنٍ فيسمِّيه بأقبح الأسماء فعلَ الماكرِ المخادع، فليس مع مخالف الرُّسل سوى المكر في القول والعمل.

فلمَّا تمَّ للمعطِّلة مكرُهم، وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان وما جاء به الرسول= ترتَّب عليه الإعراض عن الله، وعن ذكره ومحبَّته، والثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فانصرفت قوى حبِّها وشوقِها وأنسِها إلى سواه.

وجاء أهلُ الآراء الفاسدة، والسِّياساتِ الباطلة، والأذواقِ المنحرفة، والعوائد المستمرَّةِ، فقعدوا على رأس هذا الصِّراط وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى نبيِّها وما كان عليه هو وأصحابه، وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ورغب عمَّا اختاروه لأنفسهم، ورموه بما هم أولى به منه، كما قيل: رَمَتْني بدائها وانسلَّتْ١.

وجاء أصحاب الشهوات المعتنون بها، الذين يعدُّون حصولها كيف كان هو الظَّفَرَ في هذه الحياة والبغية، فقعدوا على رأس طريق المعاد والاستعدادِ للجنَّة ولقاءِ الله، وقالوا: اليوم خمر وغدًا أمر! اليوم لك ولا تدري غدًا لك أو عليك؟ وقالوا: لا نبيع ذرَّةً منقودةً بدُرَّةٍ موعودة.

  1. (١) مثل يُضرَب لمن يعيِّر بعيبه غيرَه. انظر: «المستقصى في أمثال العرب» (٢/ ١٠٣).
300

خذ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به١

وقالوا للناس: خلُّوا لنا الدُّنيا، ونحن قد خلَّينا لكم الآخرة، فإذا طلبتم منَّا ما بأيدينا أحلناكم على الآخرة.

أناسٌ يُقَضُّون عيشَ النعيمونحن نُحال على الآخرَهْ
فإن لم تكن مثلما يزعمونفتلك إذًا كرَّةٌ خاسرَهْ٢

فالإيمان بالصِّفات ومعرفتُها، وإثباتُ حقائقها، وتعلُّقُ القلب بها، وشهودُه لها= هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته. وهو روح السالكين، وحاديهم إلى الوصول، ومحرِّكُ عزماتهم إذا فتروا، ومثيرُ هِمَمهم إذا قصروا؛ فإنَّ سيرهم إنّما هو على الشواهد، فمن لا شاهد له لا سيرَ له ولا طلب ولا سلوك، وأعظم الشواهد: شواهد صفات محبوبهم ونهايةِ مطلوبهم، وذلك هو العَلَم الذي رُفع لهم في السَّير فشمَّروا إليه، كما قالت عائشة ﵂: من رأى رسول الله ﷺ فقد رآه غاديًا رائحًا، لم يضع لبنةً على لبنةٍ، ولكن رُفع له عَلَمٌ فشمَّر إليه٣.

ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل، حتَّى

  1. (١) صدر بيت للمتنبي في «ديوانه» (٣/ ٢٠٥)، وقد ورد في ر مع عجزه، وهو:
    في طلعة الشمس ما يُغنيك عن زُحَلِ
  2. (٢) ورد البيتان في «الدر الفريد والبيت القصيد» (٦/ ٤١ - ٤٢) بلا نسبة، مع اختلاف في الشطر الأول من كليهما.
  3. (٣) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٣٤٠) وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (١٧٥) والدينوري في «المجالسة» (٦١٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٥٤) من طرق عن الحسن البصري موقوفًا عليه من قوله.
    وقد روي نحوه عن عائشة مرفوعًا، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣٢٤١) ــ وعنه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٩) ــ وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٢٢٤) بلفظ: «من سأل عني أو سرَّه أن ينظر إليَّ فلينظر إلى أشعثَ شاحبٍ مشمِّرٍ لم يضع لبنة على لبنة ...». وإسناده واه، فيه سليمان بن أبي كريمة، ضعيف منكر الحديث، وقد تفرَّد به عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، لم يتابعه عليه أحد.
301

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي