مدارج السالكين

خذ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به١

وقالوا للناس: خلُّوا لنا الدُّنيا، ونحن قد خلَّينا لكم الآخرة، فإذا طلبتم منَّا ما بأيدينا أحلناكم على الآخرة.

أناسٌ يُقَضُّون عيشَ النعيمونحن نُحال على الآخرَهْ
فإن لم تكن مثلما يزعمونفتلك إذًا كرَّةٌ خاسرَهْ٢

فالإيمان بالصِّفات ومعرفتُها، وإثباتُ حقائقها، وتعلُّقُ القلب بها، وشهودُه لها= هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته. وهو روح السالكين، وحاديهم إلى الوصول، ومحرِّكُ عزماتهم إذا فتروا، ومثيرُ هِمَمهم إذا قصروا؛ فإنَّ سيرهم إنّما هو على الشواهد، فمن لا شاهد له لا سيرَ له ولا طلب ولا سلوك، وأعظم الشواهد: شواهد صفات محبوبهم ونهايةِ مطلوبهم، وذلك هو العَلَم الذي رُفع لهم في السَّير فشمَّروا إليه، كما قالت عائشة ﵂: من رأى رسول الله ﷺ فقد رآه غاديًا رائحًا، لم يضع لبنةً على لبنةٍ، ولكن رُفع له عَلَمٌ فشمَّر إليه٣.

ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل، حتَّى

  1. (١) صدر بيت للمتنبي في «ديوانه» (٣/ ٢٠٥)، وقد ورد في ر مع عجزه، وهو:
    في طلعة الشمس ما يُغنيك عن زُحَلِ
  2. (٢) ورد البيتان في «الدر الفريد والبيت القصيد» (٦/ ٤١ - ٤٢) بلا نسبة، مع اختلاف في الشطر الأول من كليهما.
  3. (٣) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٣٤٠) وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (١٧٥) والدينوري في «المجالسة» (٦١٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٥٤) من طرق عن الحسن البصري موقوفًا عليه من قوله.
    وقد روي نحوه عن عائشة مرفوعًا، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣٢٤١) ــ وعنه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٩) ــ وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٢٢٤) بلفظ: «من سأل عني أو سرَّه أن ينظر إليَّ فلينظر إلى أشعثَ شاحبٍ مشمِّرٍ لم يضع لبنة على لبنة ...». وإسناده واه، فيه سليمان بن أبي كريمة، ضعيف منكر الحديث، وقد تفرَّد به عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، لم يتابعه عليه أحد.
301

يرفع الله له ــ بفضله ومنِّه ــ عَلَمًا يشاهده بقلبه، فيشمِّر إليه، ويعمل عليه.

فإذا عُطِّلت شواهد الصِّفات، ووُضعت أعلامها من القلوب، وطمست آثارها فيها= ضُربت بسياط البعد، وأُسبل دونها حجابُ الطرد، وتخلَّفت مع المتخلِّفين، وأوحى إليها القدر: أن اقعُدي١ مع القاعدين؛ فإنَّ أوصاف المدعوِّ إليه ونعوتَ كماله وحقائقَ أسمائه هي الجاذبةُ للقلوب إلى محبَّته وطلبِ الوصول إليه، لأنَّ القلوب إنَّما تحبُّ من تعرفه، وتخافه وترجوه وتشتاق إليه، وتلذُّ بقربه وتطمئنُّ إلى ذكره= بحسب معرفتها بصفاته، فإذا ضُرب دونها حجابُ معرفة الصِّفات والإقرارِ بها امتنع منها بعد ذلك ما هو مشروطٌ بالمعرفة وملزومٌ لها، إذ وجود الملزوم بدون لازمه والمشروط بدون شرطه ممتنع. فحقيقة المحبَّة والإنابةِ والتوكُّلِ ومقامِ الإحسان ممتنعٌ على المعطِّل امتناعَ حصول المُغَلِّ من معطِّل البذر، بل أعظمَ امتناعًا.

كيف تَصْمُد القلوبُ إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متَّصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا مباينًا له ولا محايِثًا له، بل حظُّ العرش منه كحظِّ الآبار والوِهاد والأماكن التي يرغب عن ذكرها؟!

وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يحِبُّ ولا يحَبُّ، ولا يقوم به فعلٌ البتَّة، ولا يتكلَّم ولا يُكلِّم، ولا يَقْرُب من شيء، ولا يَقْرُب منه شيء، ولا

  1. (١) ش، د: «اقعد».
302

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي