ذكر أنَّ إثبات الصِّفات دلَّ عليه: الوحيُ الذي جاء من الله على لسان رسوله، والحسُّ الذي شاهد به البصير آثار الصَّنعة فاستدلَّ بها على صفات صانعها، والعقلُ الذي طابت حياته بزرع الفكر، والقلبُ الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم والاعتبار.
فأمَّا الرسالة، فإنَّها جاءت بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجهٍ أزال الشُّبهة وكشف الغطاء، وحصَّل العلمَ اليقينَ٢، ورفعَ الشكَّ والرَّيب، فثلجت له الصُّدور، واطمأنَّت به القلوب، واستقرَّ به الإيمان في نصابه؛ ففصَّلت الرسالةُ الصفاتِ والنُّعوتَ والأفعالَ أعظمَ من تفصيل الأمر والنهي، وقرَّرت إثباتها أكملَ تقريرٍ في أبلغ لفظٍ، وأبعدِه عن الإجمال والاحتمال، وأمنعِه من قبول التّأويل. ولذلك كان تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره، بل أبعد منه وأفسد لوجوهٍ كثيرةٍ ذكرناها٣ في كتاب «الصواعق المرسلة على الجهميَّة والمعطِّلة»٤. بل تأويل آيات الصِّفات بما يُخرجها عن
(١) ت: «أشياء منها»، تحريف.
(٢) ر: «اليقيني». وفي هامش ش: «علم اليقينِ» وعليه «ظ»، أي أن الناسخ استظهر ذلك.
حقائقها كتأويل آيات الأمر والنهي، فالباب كلُّه بابٌ واحد، ومصدرُه واحد، ومقصودُه واحد١، وهو إثبات حقائقه والإيمان بها.
ولذلك سطا على تأويل آيات المعاد قومٌ، وقالوا: فعلُنا فيها كفعل المتكلِّمين في آيات الصِّفات، بل نحن أعذر، فإنَّ اشتمال الكتب الإلهيَّة على الصفات والعلوِّ وقيامِ الأفعال أعظمُ من نصوص المعاد للأبدان بكثيرٍ، فإذا ساغ لكم تأويلُها، فكيف يَحْرُم علينا نحن تأويلُ آيات المعاد؟ وكذلك سطا قومٌ آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي، وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصِّفات، مع كثرتها وتنوُّعها، وآيات الأحكام لا تبلغ زيادةً على خمسمائة آيةٍ.
قالوا: وما يُظنُّ أنَّه معارِضٌ من العقليَّات لنصوص الصِّفات، فعندنا معارِضٌ عقليٌّ لنصوص المعاد، من جنسه أو أقوى منه. قال متأوِّلو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها: الذي سوَّغ لنا هذا التأويلَ القواعدُ التي أصَّلتموها٢ لنا، وجعلتموها أصولًا٣ نرجع إليها، فلمَّا طردناها كان طردُها: أنَّ الله ما تكلَّم بشيءٍ٤ قطُّ، ولا يتكلَّم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا له صفةٌ تقوم به، ولا يفعل شيئًا، وطردُ هذا الأصل: لزوم تأويل آيات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب.