مدارج السالكين

حقائقها كتأويل آيات الأمر والنهي، فالباب كلُّه بابٌ واحد، ومصدرُه واحد، ومقصودُه واحد١، وهو إثبات حقائقه والإيمان بها.

ولذلك سطا على تأويل آيات المعاد قومٌ، وقالوا: فعلُنا فيها كفعل المتكلِّمين في آيات الصِّفات، بل نحن أعذر، فإنَّ اشتمال الكتب الإلهيَّة على الصفات والعلوِّ وقيامِ الأفعال أعظمُ من نصوص المعاد للأبدان بكثيرٍ، فإذا ساغ لكم تأويلُها، فكيف يَحْرُم علينا نحن تأويلُ آيات المعاد؟ وكذلك سطا قومٌ آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي، وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصِّفات، مع كثرتها وتنوُّعها، وآيات الأحكام لا تبلغ زيادةً على خمسمائة آيةٍ.

قالوا: وما يُظنُّ أنَّه معارِضٌ من العقليَّات لنصوص الصِّفات، فعندنا معارِضٌ عقليٌّ لنصوص المعاد، من جنسه أو أقوى منه. قال متأوِّلو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها: الذي سوَّغ لنا هذا التأويلَ القواعدُ التي أصَّلتموها٢ لنا، وجعلتموها أصولًا٣ نرجع إليها، فلمَّا طردناها كان طردُها: أنَّ الله ما تكلَّم بشيءٍ٤ قطُّ، ولا يتكلَّم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا له صفةٌ تقوم به، ولا يفعل شيئًا، وطردُ هذا الأصل: لزوم تأويل آيات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب.

  1. (١) «واحد، ومقصودُه واحد» ساقط من ش، د.
  2. (٢) ت: «اختلقتموها». ر: «اصطلحتموها».
  3. (٣) ت، ر: «أصلا».
  4. (٤) ت: «ما يعلم شيئًا»، تحريف.
305

وقد ذكرنا في كتاب «الصَّواعق»١ أنَّ تأويل آيات الصِّفات وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصلُ فساد الدُّنيا والدِّين. وزوالُ الممالك وتسليطُ أعداء الإسلام عليه إنَّما كان بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطِّلاعٌ وخبرةٌ بما جرى في العالم، ولهذا يحرِّم عقلاء الفلاسفة التأويلَ مع اعتقادهم لصحَّته، لأنَّه سببٌ لفساد العالَم وتعطيلِ الشرائع.

ومن تأمَّل كيفيَّة ورود آيات الصِّفات في القرآن والسُّنَّة عَلِم قطعًا بطلانَ تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنَّها وردت على وجهٍ لا يحتمل معه التأويل بوجهٍ. فانظر إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، هل يحتمل هذا التقسيمُ والتنويعُ تأويلَ إتيان الربِّ ــ ﷻ ــ بإتيان ملائكته أو آياته؟ وهل يبقى مع هذا السِّياق شبهةٌ أصلًا أنَّه إتيانه بنفسه؟

وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤]، ففرَّق بين الإيحاء العامِّ والتكليم الخاصِّ، وجعلهما نوعين، ثمَّ أكَّد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهُّم ما يقوله المحرِّفون. وكذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، فنوَّع تكليمه إلى تكليمٍ بواسطةٍ، وتكليمٍ بغير واسطةٍ. وكذلك قوله لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ففرَّق بين الرِّسالة والكلام، والرِّسالةُ إنَّما هي بكلامه.

  1. (١) انظر: «المختصر» (ص ٣٤).
306

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي