مدارج السالكين

وقد ذكرنا في كتاب «الصَّواعق»١ أنَّ تأويل آيات الصِّفات وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصلُ فساد الدُّنيا والدِّين. وزوالُ الممالك وتسليطُ أعداء الإسلام عليه إنَّما كان بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطِّلاعٌ وخبرةٌ بما جرى في العالم، ولهذا يحرِّم عقلاء الفلاسفة التأويلَ مع اعتقادهم لصحَّته، لأنَّه سببٌ لفساد العالَم وتعطيلِ الشرائع.

ومن تأمَّل كيفيَّة ورود آيات الصِّفات في القرآن والسُّنَّة عَلِم قطعًا بطلانَ تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنَّها وردت على وجهٍ لا يحتمل معه التأويل بوجهٍ. فانظر إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، هل يحتمل هذا التقسيمُ والتنويعُ تأويلَ إتيان الربِّ ــ ﷻ ــ بإتيان ملائكته أو آياته؟ وهل يبقى مع هذا السِّياق شبهةٌ أصلًا أنَّه إتيانه بنفسه؟

وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤]، ففرَّق بين الإيحاء العامِّ والتكليم الخاصِّ، وجعلهما نوعين، ثمَّ أكَّد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهُّم ما يقوله المحرِّفون. وكذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، فنوَّع تكليمه إلى تكليمٍ بواسطةٍ، وتكليمٍ بغير واسطةٍ. وكذلك قوله لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ففرَّق بين الرِّسالة والكلام، والرِّسالةُ إنَّما هي بكلامه.

  1. (١) انظر: «المختصر» (ص ٣٤).
306

وكذلك قول النبيِّ ﷺ: «إنكم ترون ربكم عيانًا، كما ترون القمر ليلة البدر في الصَّحو ليس دونه سحابٌ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب»١، ومعلومٌ أنَّ هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعًا، ولا يرتاب في هذا من له عقلٌ ودين.

وقوله: (وظهرت شواهدها في الصنعة)، هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصِّفات، وهو دلالة الصَّنعة عليها، فإنَّ المخلوق يدلُّ على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته، فإنَّ الفعل الاختياريَّ يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا.

وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه يدلُّ على حكمة فاعله وعنايته.

وما فيه من الإحسان والنفع، ووصولِ المنافع العظيمة إلى المخلوق يدلُّ على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده.

وما فيه من آثار الكمال يدلُّ على أنَّ خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحقُّ بالكمال، وخالق الأسماع والأبصار والنُّطق أحقُّ بأن يكون سميعًا بصيرًا متكلِّمًا، وخالق الحياة والعلوم والقُدَر والإرادات أحقُّ بأن يكون هو كذلك في نفسه. فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات من أدلِّ شيءٍ على إرادة الربِّ تعالى ومشيئته وحكمته التي اقتضت التّخصيص.

وحصولُ الإجابة عقيب سؤال المطلوب على الوجه المطلوب دليلٌ

  1. (١) هذا اللفظ ملفَّق من حديث أبي سعيد الخدري وحديث جرير البجلي عند البخاري (٤٥٨١، ٧٤٣٥) ومسلم (١٨٣، ٦٣٣).
307

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي