وكذلك قول النبيِّ ﷺ: «إنكم ترون ربكم عيانًا، كما ترون القمر ليلة البدر في الصَّحو ليس دونه سحابٌ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب»١، ومعلومٌ أنَّ هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعًا، ولا يرتاب في هذا من له عقلٌ ودين.
وقوله: (وظهرت شواهدها في الصنعة)، هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصِّفات، وهو دلالة الصَّنعة عليها، فإنَّ المخلوق يدلُّ على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته، فإنَّ الفعل الاختياريَّ يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا.
وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه يدلُّ على حكمة فاعله وعنايته.
وما فيه من الإحسان والنفع، ووصولِ المنافع العظيمة إلى المخلوق يدلُّ على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده.
وما فيه من آثار الكمال يدلُّ على أنَّ خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحقُّ بالكمال، وخالق الأسماع والأبصار والنُّطق أحقُّ بأن يكون سميعًا بصيرًا متكلِّمًا، وخالق الحياة والعلوم والقُدَر والإرادات أحقُّ بأن يكون هو كذلك في نفسه. فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات من أدلِّ شيءٍ على إرادة الربِّ تعالى ومشيئته وحكمته التي اقتضت التّخصيص.
وحصولُ الإجابة عقيب سؤال المطلوب على الوجه المطلوب دليلٌ
(١) هذا اللفظ ملفَّق من حديث أبي سعيد الخدري وحديث جرير البجلي عند البخاري (٤٥٨١، ٧٤٣٥) ومسلم (١٨٣، ٦٣٣).
على علم الربِّ تعالى بالجزويَّات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم.
والإحسان إلى المطيعين، والتقريبُ لهم١ والإكرام، وإعلاءُ درجاتهم يدلُّ على محبَّته ورضاه. وعقوبتُه للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدلُّ على صفة الغضب والسُّخط، والإبعادُ والطردُ والإقصاءُ يدلُّ على المقت والبغض.
فهذه الدلالات من جنسٍ واحدٍ عند التأمُّل. ولهذا دعا سبحانه عبادَه في كتابه إلى الاستدلال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلمَ بربوبيَّته ووحدانيَّته، وصفاتِ كماله بآثار صُنعه المشهودة، والقرآن مملوءٌ٢ من ذلك.
فيظهر شاهد اسم «الخالق» من نفس المخلوق، وشاهد اسم «الرزَّاق» من وجود الرِّزق٣، وشاهد اسم «الرحيم» من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم «المعطي» من وجود العطاء الذي هو مدرارٌ لا ينقطع لحظةً واحدةً، واسم «الحليم» من حلمه عن الجُناة والعُصاة وعدم معاجلتهم، واسم «الغفور» و«التوَّاب» من مغفرة الذُّنوب وقبول التوبة، ويظهر شاهد اسم «الحكيم» من العلم بما في خلقه وأمره من الحِكَم والمصالح ووجوه المنافع. وهكذا كلُّ اسمٍ من أسمائه الحسنى له شاهدٌ في خلقه وأمره، يعرفه من عرفه ويجهله من جهله، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته.