مدارج السالكين

وكلُّ سليم العقل والفطرة يعرف قدرَ الصانع وحَذْقَه، وتبريزَه على غيره، وتفرُّدَه بكمالٍ لم يشاركه فيه١ غيرُه= من مشاهدة صُنعه٢، فكيف لا تُعرَف صفات مَن هذا العالَمُ العلويُّ والسفليُّ وهذه المخلوقاتُ مِن بعض صنعه؟!

وإذا اعتبرتَ المخلوقات والمأمورات، وجدتها كلَّها دالَّةً على النُّعوت والصِّفات وحقائقِ الأسماء الحسنى، وعلمت أنَّ المعطِّل٣ من أعظم الناس عمًى ومكابرةً. ويكفي ظهور شاهد الصُّنع فيك خاصَّةً كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الربِّ ــ ﷻ ــ ونعوتِه وأسمائه، فهي كلُّها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي عليها، وتدلُّ عليها، وتخبر بها بلسان النُّطق والحال، كما قيل٤:

تأمَّل سطور الكائنات فإنَّهامن الملك الأعلى إليك رسائلُ
وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلتَ خطَّها«ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ»
تشير بإثبات الصِّفات لربِّهافصامتُها يهدي ومن هو قائلُ
  1. (١) «فيه» من ت، ر.
  2. (٢) ت، ر: «صنعته».
  3. (٣) ر: «المعطلة».
  4. (٤) أنشد المؤلف البيتين الأولين في «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٩٣) و«التبيان» (ص ٢٥٤) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ١٠٢٥)، وهما لركن الدين ابن القوبع المالكي (ت ٧٣٨) في ترجمته من «أعيان العصر» (٥/ ١٦٣) و«الدرر الكامنة» (٤/ ١٨٣)، ولعل البيت الثالث من نظم المؤلف.
309

فلستَ ترى شيئًا أدلَّ على شيءٍ مِن دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائقِ أسمائه، وقد تنوَّعت أدلَّتها بحسب تنوُّعها، فهي تدلُّ عقلًا وحسًّا وفطرةً ونظرًا واعتبارًا١.

قوله: (بتبصير٢ النُّور القائم في السِّرِّ)، يعني: أنَّ النور الإلهيَّ الذي يجعله الله لعبده، ويلقيه عليه، ويودعه في سرِّه، هو الذي يبصِّره بشواهد صفاته. فكلَّما قوي هذا النُّور في قلب العبد كان بصره بالصِّفات أتمَّ وأكمل، وكلَّما قلَّ نصيبه من هذا النُّور٣ وطفئ مصباحُه في قلبه طفئ نورُ التصديق بالصِّفات وإثباتها في قلبه، فإنَّه إنَّما يشاهدها بذلك النُّور، فإذا فقده لم يشاهدها، وجاءت الشُّبه الباطلة مع تلك الظُّلمة، فلم يكن له نصيبٌ منها سوى الإنكار.

قوله: (وطيبِ حياة العقل لزرع الفكر)، أي: يدرك الصِّفات بذلك النُّور القائم في سرِّه، وطيبِ حياة عقله، التي طيَّبها زرعُ الفكر الصحيح المتعلِّق بما دعا الله سبحانه٤ إلى الفكر فيه بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقولِه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨]. وقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]،

  1. (١) «من دلالة ... واعتبارًا» ساقط من ر.
  2. (٢) ت، ر: «بتبصر».
  3. (٣) في ت زيادة: «الإلهي».
  4. (٤) في ر زيادة: «عبادَه».
310

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي