مدارج السالكين

فلستَ ترى شيئًا أدلَّ على شيءٍ مِن دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائقِ أسمائه، وقد تنوَّعت أدلَّتها بحسب تنوُّعها، فهي تدلُّ عقلًا وحسًّا وفطرةً ونظرًا واعتبارًا١.

قوله: (بتبصير٢ النُّور القائم في السِّرِّ)، يعني: أنَّ النور الإلهيَّ الذي يجعله الله لعبده، ويلقيه عليه، ويودعه في سرِّه، هو الذي يبصِّره بشواهد صفاته. فكلَّما قوي هذا النُّور في قلب العبد كان بصره بالصِّفات أتمَّ وأكمل، وكلَّما قلَّ نصيبه من هذا النُّور٣ وطفئ مصباحُه في قلبه طفئ نورُ التصديق بالصِّفات وإثباتها في قلبه، فإنَّه إنَّما يشاهدها بذلك النُّور، فإذا فقده لم يشاهدها، وجاءت الشُّبه الباطلة مع تلك الظُّلمة، فلم يكن له نصيبٌ منها سوى الإنكار.

قوله: (وطيبِ حياة العقل لزرع الفكر)، أي: يدرك الصِّفات بذلك النُّور القائم في سرِّه، وطيبِ حياة عقله، التي طيَّبها زرعُ الفكر الصحيح المتعلِّق بما دعا الله سبحانه٤ إلى الفكر فيه بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقولِه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨]. وقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]،

  1. (١) «من دلالة ... واعتبارًا» ساقط من ر.
  2. (٢) ت، ر: «بتبصر».
  3. (٣) في ت زيادة: «الإلهي».
  4. (٤) في ر زيادة: «عبادَه».
310

فيتفكَّرون في١ الآيات التي يُبيِّنها٢ لهم، فيستدلُّون بها على توحيده، وصفاتِ كماله، وصدق رسله، والعلم بلقائه، ويتفكَّرون في الدُّنيا وانقضائها واضمحلالها ودناءتها٣، والآخرةِ ودوامها وبقائها وشرفها. وقولِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].

فالفكر الصحيح المؤيَّد بحياة القلب ونور البصيرة يدلُّ على إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال. وأمَّا فكرٌ مصحوبٌ بموت القلب وعمى البصيرة، فإنَّما يُعطي صاحبه نفيَها وتعطيلَها.

قوله: (وحياةِ القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار)، يعني: أنَّه ينضاف إلى نور البصيرة وطيب حياة العقل: حياةُ القلب بحسن النظر الدائرِ بين تعظيم الخالق ــ ﷻ ــ وحسنِ الاعتبار بمصنوعاته الدالَّة عليه، فلا بدَّ من الأمرين، فإنَّه إن غفل بالتعظيم عن حسن الاعتبار لم يحصل له الاستدلال على الصِّفات، وإن حصل له الاعتبار من غير تعظيمٍ للخالق سبحانه لم يستفد به إثباتَ الصِّفات، فإذا اجتمع له تعظيمُ الخالق وحسنُ النظر في صنعه أثمرا٤ له إثباتَ صفات كماله ولا بدَّ.

و(الاعتبار) هو أن يعبُر نظرُه من الأثر إلى المؤثِّر، ومن الصَّنعة إلى

  1. (١) من قوله تعالى: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى هنا ساقط من ر لانتقال النظر.
  2. (٢) ت: «بيَّنها».
  3. (٣) ت: «ذهابها». ر: «آفاتها». والمثبت أصحُّ لأنه سيأتي في مقابله في وصف الآخرة: «وشرفها».
  4. (٤) ت، ر: «أثمر».
311

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي