مدارج السالكين

الذي لو أنَّ الخلق من أوَّل الدُّنيا إلى آخرها إنسَهم وجنَّهم وناطقَهم وأعجمَهم جُعلوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه١؛

الذي يضع السَّماواتِ على إصبعٍ من أصابعه، والأرض على إصبعٍ، والجبال على إصبعٍ، والأشجار على إصبعٍ، ثمَّ يهزُّهنَّ ثمَّ يقول: أنا المَلِك٢.

فقاتل الله الجهميَّة والمعطِّلة! أين التشبيه هاهنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحلَّ هاهنا كلُّ موجودٍ سواه، فضلًا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولَّاها ما تولَّته مِن وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها والمعاني التي لا حقائق لها.

ولمَّا فهمت هذه الطائفة من الصِّفات الإلهيَّة ما تفهمه من صفات المخلوقين فرَّت إلى إنكار حقائقها وابتغاءِ تحريفها، وسمَّته تأويلًا، فشبَّهت أوَّلًا، وعطَّلت ثانيًا، وأساءت الظنَّ بربِّها وبكتابه وبنبيِّه وبأتباعه٣.

أمَّا إساءة الظنِّ بالربِّ تعالى، فإنَّها عطَّلت صفاتِ كماله، ونسبَتْه إلى أنَّه أنزل كتابًا مشتملًا على ما ظاهرُه كفرٌ وباطلٌ، وأنَّ ظاهرَه وحقائقه غيرُ مرادةٍ.

  1. (١) لعله يشير إلى حديث عطية العوفي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، قال: «لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا الى أن فَنُوا صفُّوا صفًّا واحدًا لما أحاطوا بالله أبدًا» .. أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤/ ١٣٦٣) والعقيلي في «الضعفاء» (١/ ٣٩٧) وابن عدي كذلك (٢/ ٣٩٩). وإسناده إلى عطية واه، فضلًا عن ضعفه هو.
  2. (٢) كما في حديث ابن مسعود أن حبرًا من أحبار اليهود قال ذلك عند النبي ﷺ، فضحك ﷺ تصديقًا لقوله. أخرجه البخاري (٤٨١١) ومسلم (٢٧٨٦).
  3. (٣) في ت زيادة: «ثالثًا».
316

وأمَّا إساءة ظنِّها بالرسول ﷺ، فلأنَّه تكلَّم بذلك وقرَّره وأكَّده، ولم يبيِّن للأمَّة أنَّ الحقَّ في خلافه وتأويله.

وأمَّا إساءة ظنِّها بأتباعه، فنِسبتُهم لهم إلى التشبيه والتمثيل والجهل والحشو. وهم عند أتباعه أجهلُ من أن يكفِّروهم، إلّا من عاند الرسول ﷺ وقصَدَ نفي ما جاء به. والقومُ عندهم في خفارة جهلهم، قد حجبت عقولهم١ عن معرفة الله، وإثبات حقائق أسمائه، وأوصاف كماله.

فصل

قال٢: (الدرجة الثانية: معرفة الذات، مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات، وهي تثبت٣ بعلم الجمع، وتصفو في ميدان الفناء، وتستكمل بعلم البقاء، وتشارف عينَ الجمع).

نشرح كلامه ومراده أوَّلًا، ثمَّ نبيِّن ما له وعليه فيه. فكانت هذه الدرجة عنده أرفع ممَّا قبلها لأنَّ التي قبلها نظرٌ في الصِّفات، وهذه متعلِّقةٌ بالذات الجامعةِ للصِّفات، وإن كانت الذات لا تخلو عن الصِّفات، وهي٤ قائمةٌ بها. ولا نقول: إنَّ صفاتِها عينُها ولا غيرها، لِما في لفظ الغير من الإجمال والاشتباه، فإنَّ الغيرين قد يراد بهما ما جاز افتراقهما ذاتًا أو زمانًا أو مكانًا،

  1. (١) ت، ر: «قلوبهم».
  2. (٢) «المنازل» (ص ١٠٣).
  3. (٣) في مطبوعة «المنازل»: «تنبت». والمثبت من النسخ موافق لشرحي التلمساني (ص ٥٦٢) والقاساني (ص ٥٦٩).
  4. (٤) ت، ر: «فهي».
317

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي