مدارج السالكين

وعلى هذا فليست الصِّفات مغايرةً للذات. ويراد بالغيرين: ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر، فيفترقان في الوجود الذهنيِّ، لا في الوجود الخارجيِّ، فالصِّفات غير الذات بهذا الاعتبار، لأنَّه قد يقع الشُّعور بالذات حال ما يغفل عن صفاتها، فتتجرَّدُ عن صفاتها في شعور العبد، لا في نفس الأمر.

وقوله: (مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات)، التفريق بين الذات والصِّفات في الوجود مستحيل، وهو ممكنٌ في الشُّهود بأن يشهد الصِّفة ويذهل عن شهود الموصوف، أو يشهد الموصوف ويذهل عن شهود الصِّفة، فتجريد الذات أو الصِّفات إنَّما يمكن في الذِّهن. فالمعرفة في هذه الدرجة تعلَّقت بالذات والصِّفات جميعًا، فلم يفرِّق العلمُ والشهودُ بينهما، ولا ريب أنَّ ذلك أكمل من شهود مجرَّد الصِّفة أو مجرَّد الذات.

ولا يريد الشيخ أنَّك تسقط التفريق بين الذات والصِّفات في الخارج والعلم بحيث تكون الذات هي نفس الصفات١، فهذا لا يقوله الشيخ. وإن كان كثيرٌ من أرباب الكلام يقولون: إنَّ الصِّفات هي الذَّات، فليس مرادهم أنَّ الذات نفسها صفةٌ، فهذا لا يقوله عاقلٌ، وإنّما مرادهم أنَّ صفاتها ليست شيئًا غيرها. فإن أراد هؤلاء أنَّ مفهوم الصِّفة هو٢ مفهوم الذات، فهو مكابرةٌ. وإن أرادوا أنَّه ليس هاهنا أشياء غير الذات انضمَّت إليها وقامت بها، فهذا حقٌّ.

والتحقيق: أنَّ صفاتِ الربِّ ــ ﷻ ــ داخلةٌ في مسمَّى اسمه، فليس

  1. (١) ر: «تكون الصفات هي نفس الذات».
  2. (٢) ش، د: «معنى».
318

اسمه «الله» و«الربُّ» و«الإله» أسماءً لذاتٍ مجرَّدةٍ لا صفةَ لها البتَّة، فإنَّ هذه الذات وجودُها يستحيل١، وإنَّما يفرضها الذِّهن فرضَ الممتنعات ثمَّ يحكم عليها. واسم «الله» سبحانه و«الربِّ»، و«الإله» اسمٌ لذاتٍ لها٢ جميعُ صفات الكمال ونعوت الجلال، كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقِدَم، وسائرِ الكمال الذي يستحقُّه لذاته. فصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه، فتجريد الصِّفات عن الذات، والذات عن الصِّفات فرضٌ وخيالٌ ذهنيٌّ لا حقيقة له، وهو أمرٌ اعتباريٌّ لا فائدة فيه، ولا يترتَّب عليه معرفةٌ ولا إيمان، ولا هو علمٌ في نفسه.

وبهذا أجاب السَّلفُ الجهميَّةَ٣ لمَّا استدلُّوا على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾٤ [الرعد: ١٦]، قالوا: والقرآن شيء؛ فأجابهم السَّلف بأنَّ القرآن كلامه، وكلامه صفته، وصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه ويديه٥.

فليس «الله» اسمًا لذاتٍ لا نعتَ لها، ولا صفة ولا فعل، ولا وجه ولا

  1. (١) ت، ر: «مستحيل».
  2. (٢) «لها» سقطت من ش، د. ثم ألحق الناسخ أو غيره في هامش ش: «مع» مستظهرًا صحَّتها. وكتب بعضهم في د فوق «جميع»: «جمَعَ»، محاولةً منه لإصلاح العبارة.
  3. (٣) ش، د: «للجهمية».
  4. (٤) في ش، د: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ دون الاسم المعظَّم.
  5. (٥) انظر قول ابن عيينة في «السنة» للخلال (١٧٣٠)، وقول أحمد في «الرد على الجهمية» (ص ١١٥)، وقول عبد العزيز الكناني في «الحيدة» (ص ٤٣ وما بعدها) و«الإبانة الكبرى» (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وكلام ابن بطَّة فيه (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٨).
319

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي