مدارج السالكين

اسمه «الله» و«الربُّ» و«الإله» أسماءً لذاتٍ مجرَّدةٍ لا صفةَ لها البتَّة، فإنَّ هذه الذات وجودُها يستحيل١، وإنَّما يفرضها الذِّهن فرضَ الممتنعات ثمَّ يحكم عليها. واسم «الله» سبحانه و«الربِّ»، و«الإله» اسمٌ لذاتٍ لها٢ جميعُ صفات الكمال ونعوت الجلال، كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقِدَم، وسائرِ الكمال الذي يستحقُّه لذاته. فصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه، فتجريد الصِّفات عن الذات، والذات عن الصِّفات فرضٌ وخيالٌ ذهنيٌّ لا حقيقة له، وهو أمرٌ اعتباريٌّ لا فائدة فيه، ولا يترتَّب عليه معرفةٌ ولا إيمان، ولا هو علمٌ في نفسه.

وبهذا أجاب السَّلفُ الجهميَّةَ٣ لمَّا استدلُّوا على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾٤ [الرعد: ١٦]، قالوا: والقرآن شيء؛ فأجابهم السَّلف بأنَّ القرآن كلامه، وكلامه صفته، وصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه ويديه٥.

فليس «الله» اسمًا لذاتٍ لا نعتَ لها، ولا صفة ولا فعل، ولا وجه ولا

  1. (١) ت، ر: «مستحيل».
  2. (٢) «لها» سقطت من ش، د. ثم ألحق الناسخ أو غيره في هامش ش: «مع» مستظهرًا صحَّتها. وكتب بعضهم في د فوق «جميع»: «جمَعَ»، محاولةً منه لإصلاح العبارة.
  3. (٣) ش، د: «للجهمية».
  4. (٤) في ش، د: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ دون الاسم المعظَّم.
  5. (٥) انظر قول ابن عيينة في «السنة» للخلال (١٧٣٠)، وقول أحمد في «الرد على الجهمية» (ص ١١٥)، وقول عبد العزيز الكناني في «الحيدة» (ص ٤٣ وما بعدها) و«الإبانة الكبرى» (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وكلام ابن بطَّة فيه (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٨).
319

يدين؛ ذلك إلهٌ معدومٌ مفروضٌ في الأذهان، لا وجود له في الأعيان، كإله الجهميَّة الذي فرضوه غيرَ خارجٍ عن العالم ولا داخلٍ فيه، ولا متَّصلٍ به ولا منفصلٍ عنه، ولا محايثٍ له ولا مباين؛ وكإله الفلاسفة الذي فرضوه وجودًا مطلقًا لا يتخصَّص١ بصفةٍ ولا نعتٍ، ولا له مشيئةٌ ولا قدرة، ولا إرادةٌ ولا كلام؛ وكإله الاتِّحاديَّة الذي فرضوه وجودًا ساريًا في الموجودات ظاهرًا فيها، هو عين وجودها؛ وكإله النصارى الذي فرضوه قد اتَّخذ صاحبةً وولدًا، وتدرَّع بناسوتِ ولدِه، واتَّخذ٢ منه حجابًا؛ فكلُّ هذه الآلهة ممَّا عملتها أيدي أفكارهم٣، وإله العالمين الحقُّ هو الذي دعت إليه الرُّسل وعرَّفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه، موصوفٌ بكلِّ كمال، منزَّهٌ عن كلِّ نقصٍ، لا مثال له ولا شريك ولا ظهير، ولا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، غنيٌ بذاته عن كلِّ ما سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بذاته.

قوله: (وهي تثبت بعلم الجمع، وتصفو في ميدان الفناء)، يعني: أنَّ هذه المعرفة الخاصَّة تثبت بعلم الجمع، ولم يقل: بحال الجمع، ولا بعينه، ولا بمقامه، فإنَّ علمه أوَّلًا هو سبب ثبوتها، فإنَّ هذه المعرفة لا تنال إلَّا بالعلم، فهو شرطٌ فيها. وسيأتي الكلام في «الجمع» عن قريبٍ إن شاء الله.

فإذا علم العبد انفراد الربِّ سبحانه بالأزل والبقاء والفعل، وعَجْزَ من

  1. (١) ت: «يختص».
  2. (٢) واو العطف ساقطة من ش، د.
  3. (٣) ر: «عملته أيدي أفكارها».
320

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي